مقالات وآراء

الكاتب الجبار والزعيم

حلمي النمنم

بين مؤلفات الأستاذ عباس محمود العقاد أكثر من ثلاثين عنوانا فى السير والتراجم، كل منها يتناول شخصية أحد العظماء فى السياسة والحكم والأدب، سعد زغلول، غاندى، محمد على جناح، مؤسس باكستان، فضلًا عن عدد من رموز التاريخ الإسلامى، تناول هذا العدد الضخم بروح الإعجاب والتقدير، فيما عدا حالة واحدة فقط، تناول صاحبها بالإدانة التامة، أقصد الزعيم النازى أدولف هتلر، أصدره فى ذروة انتصارات هتلر، سنة ١٩٤١.

لم يكن يخفى موقفه ولا مشاعره، كان ذلك يتضح من العنوان، كتابه عن سعد زغلول حمل التالى «سيرة وتحية»، كتابه عن غاندى بعنوان «روح عظيم»، كتابه عن الأستاذ الإمام محمد عبده، بعنوان «عبقرى الإصلاح والتعليم»، ناهيك عن سلسلة العبقريات، وكان فى تخطيطه أن يصدر كتابًا بعنوان «عبقرية صلاح الدين الأيوبى»، نشر فى العدد الأول من مجلة «العربى» الكويتية، سنة ١٩٥٨، مقالًا بذلك العنوان. كان يبحث فى جوانب عظمة وتميز كل شخصية، بغض النظر عن جنسية أوديانة الشخصية، وهكذا تناول ابن الرومى وأبى نواس والمعرى كما تناول شكسبير.

استوقفته عبقرية نبى الإسلام سيدنا محمد، كما شغلته عبقرية السيد المسيح، كتب عن الإمام على كما كتب عن معاوية وعن عمرو بن العاص، وكتب عن أم المؤمنين «الصديقة بنت الصديق»، كما تناول السيدة فاطمة الزهراء، رضى الله عنها، لم توقفه اعتراضات هنا أو لمزات هناك. ربما لم يشغل كاتب كبير نفسه على هذا النحو بسير الزعماء فى مختلف المجالات الإنسانية والاجتماعية والثقافية.

كانت تهمه عناصر التميز والرقى بمستوى الإنسانية ويهمل العناصر التى يهتم بها البعض ويراها تنحط بالإنسان وتحط من الضمير الإنسانى.

كان العقاد يقدر بشدة دور الفرد فى صناعة التاريخ، وهو فى ذلك ينتمى إلى مدرسة مهمة فى فهم وتفسير مسار التاريخ الإنسانى، تعلى دور الزعيم والقائد فى مواجهة المدرسة التى تعطى الأولوية للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، من هنا نضع أيدينا على موقفه من الرئيس جمال عبدالناصر.

حين ظهر عبدالناصر بقوة على المسرح السياسى، كان العقاد جاوز الستين من العمر، وكان عبدالناصر فى الثلاثينيات من العمر، كان العقاد يصغر والد عبدالناصر بسنة واحدة فقط، أى نفس عمره تقريبًا، مسافة الأجيال بينهما فرضت مسافة مؤكدة من التقدير والاحترام، عصامية العقاد وعدم تورطه فى الأخطاء السياسية، جعلته موضع إكبار واعتزاز لدى الحكام الجدد، خاصةً عبدالناصر.

لو تتبعنا عددا كبيرا من سياسات وخطوات عبدالناصر وثورة يوليو سوف نجد أنها تتفق إلى حد كبير مع مواقف عديدة ثابتة اتخذها العقاد، من قبل فى مناسبات متباينة.

فى سنة ١٩٥٧، العام التالى مباشرةً للعدوان الثلاثى، أصدرت سلسلة «كتاب الهلال»، كتابًا بعنوان «لا شيوعية ولا استعمار»، الواقع أنه كتابان منفصلان جمعا معا فى مجلد واحد أو كتاب من قسمين، يعلن فيه موقفه العدائى والرافض للاستعمار وللشيوعية، تنبأ بانهيار الاستعمار وزوال التجربة الشيوعية، تحققت النبوءة، انهار الاستعمار فى حياته وانهار الاتحاد السوفيتى بعد رحيله بربع قرن تقريبا. كان العقاد رافضًا منذ نشأته وكارها للاحتلال البريطانى لمصر، ليس هذا فقط، بل كره الاستعمار فى كل مكان، أعجب بالزعيم الهندى غاندى لتصديه القوى للاحتلال البريطانى للهند، فضلا عن تنديده بجرائم الإيطاليين فى ليبيا والفرنسيين فى بلاد الشام وشمال إفريقيا، وكان مع الاستقلال والتحرر الوطنى.

الحق أن ذلك كان حرفيا موقف عبدالناصر وثورته، العداء المطلق للشيوعية والرفض المطلق للاستعمار. حتى حينما تعاونت مصر مع الاتحاد السوفيتى فى بناء السد العالى والتسليح، كانت الدولة واضحة، تعاون وصداقة دون الماركسية، وتفهم الزعيم السوفيتى خروتشوف ذلك، كان المفهوم أنها علاقة نتجنب بها الضغوط الأمريكية، لكن حتى اغتيال الرئيس الأمريكى جون كنيدى كانت العلاقات الثنائية بين مصر والولايات المتحدة طيبة، ليست صداقة عميقة وليست عدائية.

كان موقف العقاد واضحًا ومعلنا فى الكثير من مواقفه وكتاباته، ومع رفضه الشديد للشيوعية كان مع العدالة الاجتماعية، قال هو ذات مرة إنه مع كل الطرق كى يحصل الفقراء على حقهم فى العيش الكريم، كان أقرب إلى اشتراكية جورج برنارد شو، كما أشار فى أحد مقالاته بالأخبار، وظل العقاد يناهض الماركسية والماركسيين فى كتاباته، دون هوادة، حتى رحيله عن عالمنا، له أكثر من كتاب فى هذا الموضوع.

فى العموم كان متحمسًا للموقف الرسمى بسياسة عدم الانحياز ونتائج مؤتمر باندونج.

واتخذت ثورة يوليو وعبد الناصر موقفا حادًا من الأحزاب عموما، انعكس ذلك أكثر على حزب الوفد تحديدا، باعتباره حزب الأغلبية حتى قيام ثورة ٥٢، جرى تقديم عدد من رموزه للمحاكمة، الزعيم الجليل مصطفى النحاس رئيس الحزب لمكانته التاريخية، لم يوجه إليه أى اتهام، تم تحديد إقامته فى منزله، حى جاردن سيتى، حتى وفاته.

ونعرف جميعا حالة العداء التى بدأت سنة ١٩٣٥، بين العقاد والنحاس باشا ومن ثم الحزب كله، وقد أوغل هو فى الخصومة، خاصة بعد أن راح الحزب يطارده فى كل صحيفة يعمل بها أو يكتب لها، بتهديد الجريدة بالمقاطعة النهائية، التى تعنى- فعليا- الإغلاق، هذه المطاردة قطعت الطريق على أى إمكانية للتصافى أو التصالح، خاصةً بعد أن قاد العقاد حملة ضارية ضد معاهدة ١٩٣٦، اعتبرها النحاس معاهدة الشرف والاستقلال، بينما قرر العقاد أنها تكرس الاحتلال البريطانى.

ويمكننا القول إنه بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، كانت التجربة الحزبية فى مصر تمر بالعديد من الأزمات، ارتفعت نبرة اتجاهات أيديولوجية، يمينا ويسارا، ترفض التعددية الحزبية، غير هذه الاتجاهات بدت الأحزاب غير قادرة على تجديد دمائها وأفكارها، دب الترهل فى معظمها، أصوات قوية لكتاب علت ضد الحزبية والمؤسسات الديمقراطية، توفيق الحكيم نموذجا. العقاد نفسه فى نهاية الأربعينيات انشغل بالقضايا الفكرية والثقافية، متجنبا الخوض فى المعارك الحزبية والسياسية، كما كان من قبل.

ربما يكون ذلك أحد الأسباب التى جعلت الرأى العام لا يعترض على قرار اللواء محمد نجيب بحل الأحزاب كلها، بل وجدنا عددًا من كوادر الصف الثانى بالأحزاب الكبرى ينخرطون فى هيئة التحرير التى شكلها مجلس قيادة الثورة بديلًا عن الأحزاب، بعضهم صاروا أسماء لامعة فى تجربة الستينيات.

المشكلة الآن أن بعضنا يقيم تلك الخطوات بمعيار اللحظة الحالية وليس بمعيار لحظتها هى والظرف السياسى والاجتماعى السائد أو المسيطر وقتها.

وفى سنة ٥٤، أقدمت جماعة حسن البنا على محاولة اغتيال الرئيس جمال عبدالناصر فى ميدان المنشية بالإسكندرية، وبات من المؤكد أن وكيل الجماعة عبد القادر عودة كان يقف مباشرةً خلف العملية التى أقدم عليها الشاب محمود عبد اللطيف، «أخ» من خلية إمبابة. فاتخذت الدولة إجراءات صارمة بحق الجماعة كلها. العقاد كتب منددا بمحاولة الاغتيال، الواضح فيما كتبه- وكذلك طه حسين- هو الفزع من المحاولة، شبح عصابة حسن الصباح كان مخيما بالفعل، ويبدو أن المحاولة ذكرت العقاد بما مضى، اغتيال صديقه محمود فهمى النقراشى فى ديسمبر ٤٨، أطلق عليه العقاد وقتها «ريحانة الشهداء»، فى تقديمه لكتيب تلميذه، أستاذ الفلسفة بجامعة عين شمس د.نظمى لوقا حول النقراشى.

كان العقاد خصما عنيدًا للجماعة، هو من أطلق مبكرا وربما متنبئا على «حسن البنا » اسم «حسن الصباح»، وكتب فور اغتيال صديقه، وزير الداخلية ورئيس مجلس الوزراء، مقالًا شديد الحدة عن البنا، تطرق فيه إلى جذوره العائلية، فى جريدة «الأساس»، جرى استدعاء هذا المقال كثيرا من الأرشيف فى السنوات الأخيرة، بسبب هذا المقال تعرض هو لمحاولة اغتيال منهم، تم إلقاء قنبلة من نافذته كى تصل إليه حيث كان مكتبه، لكنها اصطدمت بالحائط.

باختصار لم يكن ضد ما اتخذته الدولة من إجراءات عقب جريمة المنشية، لهذا كله يجب أن نرفض حكايا النميمة السياسية والثقافية عن كراهية مكتومة بين الكاتب الجبار والزعيم صاحب الكاريزما الطاغية.

*نقلاً عن “المصري اليوم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى