مفاجآت.. أزعجت الشيخ صباح الأحمد

مع نهاية عام 2025، استذكرت واقعتين سبَّبتا إزعاجاً للمغفور له الشيخ صباح الأحمد، الذي كان يحمل رسالة محبة ويهدف الخير للجميع. في الأولى كنت معه وحدثت في الإسكندرية في عام 1966، في شهر أغسطس، حيث ذهب لزيارة الرئيس جمال عبدالناصر، كان معه كل من المشير عبدالحكيم عامر، وأنور السادات، وكنت والسفير الكويتي المرحوم حمد الرجيب بصحبة الشيخ صباح الأحمد. كانت البداية غير مشجعة، فقد كانت الأحزان تتسيد مفردات الرئيس جمال عبدالناصر، وكأنه محتار باحث عن ممر يخرجه من واقع غير مريح. طرح الشيخ صباح الأحمد مقترحاً أن يجتمع الرئيس عبدالناصر والملك فيصل في الكويت لإيجاد صيغة يتجاوز فيها البلدان المواجهة الدائرة في اليمن، وكان المقترح أن يكون اللقاء يجمع الرئيس والملك في الكويت، فكان الرد سلبياً من الرئيس عبدالناصر، لكنه تحدث بألم وبكلمات مختصرة، فتولى السادات طرح التفاصيل. ولم يكن مناخ اللقاء ولا مزاج الرئيس المصري يشجعان على الاستمرار، وانتهى الاجتماع مع سؤال من الرئيس عبدالناصر وجهه للشيخ صباح الأحمد: «أنت تريدني أجتمع بالملك فيصل»، فردّ الشيخ صباح بالتأكيد، وفي الكويت، ومع تأكيد أهمية اللقاء جاء الرد من الرئيس جمال عبدالناصر قضى فيه على كل الاحتمالات، فقرر الشيخ صباح انهاء الاجتماع والعودة الى الكويت متذمراً، وكانت نهاية المساعي، وسجل التاريخ ما حدث بعدها من هزيمة حرب 1967، التي أعقبت اجراءات عبدالناصر في تحدي الوضع الذي أشرفت عليه الأمم المتحدة واستحضار القوة الدولية لتأكيد انسحاب اسرائيل من الاراضي المصرية في سيناء. جاءت قمة الخرطوم بعد الهزيمة ويطرح الملك فيصل الدعم السعودي بتبرع سنوي يزيد على خمسين مليون جنيه استرليني لمصر، ومبلغ آخر للاردن. توفي عبدالناصر في سبتمبر عام 1970. كنت والسفير حمد الرجيب مع الشيخ صباح الأحمد في ذلك اللقاء. كان منظور الرئيس جمال عبدالناصر في اغلاق الممر غير واقعي، متجاهلاً تعهد الولايات المتحدة لاسرائيل بضمان استمرار فتح الممر البحري الى ميناء إيلات.
ظل المرحوم الشيخ صباح الأحمد يتذكر ذلك اللقاء الفاشل الذي جاءت سلبيته من عدم إلمام القيادة المصرية بالالتزامات الامريكية وسوء الفهم للحقائق التي خرجت من حرب 1956.
والحادثة الثانية التي سببت للشيخ صباح الأحمد انعدام الثقة في الضمانات العربية في ضوء ما حدث مع العراق وقيادته، ففي شهر فبراير 1990 زار الشيخ صباح الأحمد بغداد حاملاً الامل بأن العلاقات الكويتية ــ العراقية التي تعيش في أجواء التفاهم وتبادلية الثقة والاحترام، ستؤدي الى ترسيم الحدود بين البلدين وسيتم الاتفاق حوله في تلك الزيارة، لاسيما مع التقدير العراقي للدور الكويتي ومساهمته في دعم العراق خلال حروبه مع إيران وأزماته الاقتصادية.
قدم السيد سعدون حمادي، وزير الدولة ومسؤول الملف الكويتي والخليجي، الى الشيخ صباح الأحمد مشروع اتفاقية ترسيم الحدود بين البلدين في خريطة يبتلع فيها العراق كلا من وربة وبوبيان والساحل المحاذي وفيلكا، وطريق بري جنوباً الى ميناء الشعيبة، عرضه حوالي ثلاثة كيلومترات، يمتلك العراق هذا الطريق المنحدر من الفاو الى الساحل الكويتي جنوبا الى الشعيبة، يمثل هذا المقترح منظور النظام العراقي تجاه الكويت، فمشروع العراق يتعامل معها كملحق ويحول دولة الكويت الى شبه دولة. جاء تعليق الشيخ صباح الأحمد عبر سؤال يطرحه للوزير العراقي عن حقيقة منظور العراق لدولة الكويت، وبعد كل ما قدمته الكويت وما جسده دور الشيخ صباح في ترأس اللجنة العربية للدفاع عن العراق. يرد الوزير العراقي العديم المشاعر، بأن العراق استجاب لطلب الكويت ترسيم الحدود وما قدمه العراق يمثل تصوراته حول ترسيم الحدود، ولم يكن مشروع العراق موضوع ترسيم وانما ضم والحاق وتطاول بلا احساس. كانت تلك الاتصالات تدور في زمن كانت قيادة العراق ترتب لغزو سري يفاجئ الجميع ويدفع العالم بقبول الواقع مع التأقلم على التبدلات على أساس أن المفاجأة لا تترك خياراً للأسرة العالمية.
أدرك الشيخ صباح الأحمد من تلك الزيارة التي كانت في فبراير 1990، حجم الأطماع العراقية على حساب دولة الكويت، التي لم تتوقف عن دعم البرامج العراقية في الدفاع عن أرضه وفي برامجه التنموية.
حمل الشيخ صباح الأحمد ثقل التعامل مع العراق منذ ثورة يوليو 1958، حتى تحرير الكويت. ظلت أثقال التعامل مع العراق تواصل دورها حتى وفاته وحمل الشيخ صباح الأحمد خلال مسؤولياته وزيراً للخارجية ورئيساً للوزراء وأميراً، صبراً طويلاً ومؤلماً، وكان غير عادي في انسجامه مع الأثقال التي تصاعدت عليه وتحمل جميع جوانبها، المبهجة والمزعجة، دون تذمر، متقبلاً ارادة الله، ايماناً بها وتجاوباً معها.
رحمه الله، كان إنساناً غير عادي.
* نقلا عن ” القبس”



