ثقافة وفنون

عودة الروح

قصة: مرام محمد

مع غروب الشمس وقدوم القمر، كانت هناك عائلة متجمعة حول سرير المريض في المشفى، بينما أصوات الممرضات تتعالى هنا وهناك، فهناك مصابون كثر، ولا بد من السيطرة على الأوضاع.

في الأمس الساعة الخامسة والنصف عصراً رنّ هاتف الابن الكبير، كأنه رقم غريب فأجاب على الاتصال.

  • السلام عليكم من معي؟!
  • وعليكم السلام هذا رقم ابن السيد آدم؟

أجاب خالد مستغرباً وصوته يرتجف من الخوف

  • نعم يا سيدي أنا ابنه.. لكن من أنت؟
  • أنا أكلمك من سيارة الإسعاف، والدك تعرض لحادث سير، وهو الآن ينزف بشدة

عليكم القدوم الى المشفى على الفور. ازداد خالد توتراً وخوفاً ولم يتمكن من إخبار والدته واخته الصغرى فأخد العنوان ثم هرول الى سيارته وانطلق يسابق الريح، بدأت الأفكار تغزو مخيلته، والدموع لا تفارق عينيه…

ترى ما الذي حل بوالدي؟!، صبّرني يارب…!

وأخيرا وصل المشفى، ثم دخل الاستعلامات، واستفسرعن والده، أجابته إحدى الموظفات:

  • نعم إنه هنا، ولكنك لا تستطيع رؤيته الآن فهو في العناية المشددة!، وسيبقى تحت المراقبة.
  • يا إلهي! وما العمل الآن؟!
  • الأفضل ان تنتظر قدوم الطبيب ليشرح لكَ وضع الوالد وملابسات الحادث.

انتظر خالد الطبيب لساعات طويلة، إلى أن خرج الطبيب وأمارات الأسف على وجهه إثر ذلك، خُيّل لخالد أن والده قد فارق الحياة فانطلق الى الطبيب وهو يقول (كالمجنون):

  • أبي لم يمت، أبي لم يمت!!

أمسك الطبيب ذراع خالدٍ محاولاً تهدئته ثم بادر قائلاً:

  • والدك بخير وحالته مستقرة، لكنه يا خالد ربما سيصاب بفقدان الذاكرة، الآن لا تتوفر لدي معلومات أكثر إلى أن يعود إلى وعيه!

جاء اليوم التالي، وعند غروب الشمس، جمعت العائلة حول الأب، بينما أم خالد لا تكاد تصدق ما الذي جرى، كانت ستنهار من هَول الصدمة!

فتح الأب عينيه ببطء بعد ساعات من الغيبوبة، لكنه لم يعرف أحداً منهم!

وهنا، شعر الجميعُ بالذُعر؛ فكيف لوالدهم ان ينساهم جميعهم دفعةً واحدة؟!

سُرعان ماهرعت أم خالد الى الطبيب لتعرف مشكلة زوجها وكيف ستعاجلها.

قرعت باب غرفة الطبيب الى الطبيب، وأذن لها بالدخول، جلست على الكرسي أمام مكتب الطبيب وبادرته بسؤالها عن وضع زوجها، فأجابها  مرتبكاً:

في الحقيقية زوجك تعرض لحادث قوي أدى الى فقدانه ذاكرته!

كانت كلمات الطبيب أشبه بسهام تستقر في جسدها النحيل، لكنها استجمعت قواها واستطردت قائلة:

  • ما الذي يمكننا فعله الآن؟ أما من أمل؟

هنا ابتسم الطبيب وقال:

  • هذا أمر بسيط! فقط عليكم الجلوس بجانبه، والتحدث معه عن ذكرياتكم معه، لعله يستعيدها معكم، لكن حَذارِ، فلا تخبروه كل شي مرة واحدة؛ خشية أن تختلط عليه الأمور وتزداد حالته سوءاً.

عادت العائلة بمن فيهم الأب الى البيت، وفي كل يوم يجلس احدهم معه ليحدثه عن أجمل الذكريات.

في البداية كانت البنت الصغيرة ” سارة ” جالسة بجانب والدها، ممسكةً يده، وكأنها تخاف الفراق، ثم بدأت بسرد قصصها المضحكة مع والدها:

  • أتذَكُرُ يا والدي عندما أردتُ أن أتعلم ركوب الدراجة الهوائية!، أنت أول من شجعني وبقي إلى جانبي، حتى أنني اذكر حين سقطت على الأرض و بدأت بالبكاء فهرعت إلي لتقول: ( زهرتي الصغيرة، لا تخافي الفشل، فهو أول خطوة للنجاح)

وهذا ما جعلني قوية إلى الان، فوجودك أشعرني بالأمان… لذا؛ أرجوك يا والدي حاول أن تتذكر هاتيك الايام”

جاء اليوم التالي وبدأت الشمس ترسل أول خيوط شعتها الذهبية، فجلس خالد بجانب والده وبدأ حديثه قائلاَ:

” أبي الحبيب…. انت من علمتني الصبر… أتذَكُرُ حين قلت لي ذلك اليوم: ( في الصبر مشقة يعقبها فرح جميل)

فالحمدلله دائما وابداَ، لطالما كنتُ بحاجة لسماع هذا الكلام و الحمدلله سمعته منك وأفدتُ منه كثيراً في حياتي، لأنك أنت قدوتي و مُلهِمي في الحياة…”

ثم سند خالد رأسه على صدر أبيه وتابع قائلاً:

” الآن كلما تعرضتُ لمشكلة أتذكر كلامك فأقول: الحمدلله، وأصبر لأنال ما أريد أرجوك يا والدي كن صبوراً كما عودتني، وعُد إليّ بأسرع وقت لأتعلم منك الكثير”

لكن للأسف…. لم يحرّك الأب ساكناً بعد كل هذه المحاولات! إلى أن جاءت اللحظة التي اقتربت فيها أم خالد وقالت:

” زوجي العزيز….

حياتنا بدونك لا طعم لها ولا لون ولا رائحة، عَمً الحزن أرجاء المنزل. فترانا دائما نتحرق شوقاً لرؤيتك متألقاً كما أعتدنا، فعُد إلينا يا عماد البيت، لقد كنا جميعاً – وما نزال – روحاً واحدة، وقلباَ واحداً، حتى أدق التفاصيل لم نكن نغفلها، نتشاركها، كي لا نشعر بالضيق”

ثم أخدت أم خالد نفساً عميقاً واستأنفت حوارها الدافئ قائلة:

” أتذكر يا أبا خالد لحظة علمنا بأنك ستصبح أبا و سأصبح أما لأول مرة؟! كنتَ في غاية البهجة والسعادة، حتى إنك لم تصدق في البداية الخبرَ! و أسرعت لتقديم الضيافة لجميع الجيران والأصدقاء، لم تنسَ احداً… أما الأن فقد كَبُر خالد وكَبرَتْ معه سارة، وأنا لا استطيع تربيتهم بمفردي،هما بأمس الحاجة إليك، فأنت قدوتهم ومثلهم الأعلى في الحياة… حتى إن سارة دوماَ تقول إنها تشتاق لصباح يبدأ بوجهك، وسماع صوتك، فضلاَ عن ابتسامتك التي تجعلها عصفورة تترنم طرباً وتيهاً. بينما خالد فهو يعتبرك الأمان والسند والفرحة التي لا يضاهيها شيء، فأرجوك… عُد إلينا فنحن نفتقدك كثيراً”

وما إن أنهت أم خالد كلامها، حتى ظهرَت المعجزة من عن الله عز وجل! نعم، تحركت شفاء أبي خالد ناطقاً اسم زوجته!

وأقبل الطبيب فسأله عن اسمه فأجاب الأب: اسمي يوسف، وهذه زوجتي أم خالد، لكن لماذا هي تبكي؟ وما الذي حدث؟!، أجابه الطبيب بكل التفاصيل….

وبعد ساعة خالد وسارة وهما يطيران من الفرحة لسماع الخبر. وها هي العائلة تعود سعيدة متكاملة يملؤها الحب والصبر لما قدره الله تعالى وكتبه.

مرام محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق