“أنت منذ الأمس”.. المسرح الأردني يوقظ سؤال الوطن على خشبة الإرميتاج

المصدر: RT
في عرض أقيم لأول مرة في روسيا، قدمت فرقة “الشمس” الأردنية مسرحية “أنت منذ الأمس” على مسرح الإرميتاج في سانت بطرسبرغ.
وعن آلية قراءة الفتاة التي توقظ الشخصيات من الموت أو النوم، أوضح قبيلات أنه أراد أن ينظر إلى الأحداث بعين معاصرة، ليرى هل تغيرت النظرة وأصبحت بعيدة عن نظرة ذاك الجيل. فالفتاة ليست فقط قارئة للرواية، بل تمثل جيلاً جديداً يحاول أن يفهم ما الذي حدث ولماذا وصلنا إلى هذا الواقع.
وأضاف أن الفتاة تقرأ فتنهض الشخصيات، وكأن النص نفسه يستدعي الأرواح النائمة في الذاكرة الجماعية، وأراد أن يبدو الماضي كأنه لم يمت فعلاً بل بقي معلقاً داخل وعينا المعاصر، لأن الجراح التاريخية تستمر بالعيش داخل اللغة والوعي والخيال.
هذه الآلية، كما قال، سمحت بخلق حوار بين زمنين: زمن الهزيمة الأولى، وزمن الإنسان المعاصر الذي يحاول فهم معنى تلك الهزائم وتأثيرها المستمر حتى اليوم، فالمسرحية تتعامل مع الماضي بوصفه شيئاً يستيقظ كلما حاولنا قراءته من جديد.
وحول معنى عنوان «أنت منذ الأمس»، بيّن قبيلات أن «أنت» تعني الإنسان العربي أو حتى الوعي الجمعي، أما «الأمس» فهو ليس زمن الحدث في الماضي، بل زمن الوعي الأول للحدث الذي بدأ في زمن ما، زمن الأسئلة التي طرحت قبل عقود وما تزال قائمة اليوم: سؤال الحرية والعدالة والهوية والعلاقة بين الحلم والواقع وبين الفكر والقوة.
وأكد أنه يعتقد أن جيل اليوم قادر على فهم جراح الماضي، لكن ليس بالطريقة التقليدية أو الخطابية، لأن الأجيال الجديدة لا تريد الشعارات بل تريد أن تفهم الإنسان داخل الحدث: خوفه وهشاشته وتناقضاته وأحلامه المكسورة، ولهذا كان من المهم في هذا العمل، محاولة تلمّس أو الاقتراب من البعد الإنساني.

أما عن استقبال الجمهور الروسي، فقال قبيلات إن ما فاجأه هو حجم التفاعل الإنساني العميق. وأوضح أنه قد لا تكون التفاصيل السياسية والتاريخية العربية مألوفة بالكامل لكل المتفرجين، لكن الفن الحقيقي لا يقوم فقط على المعرفة السياسية بل على المشاعر والأسئلة الإنسانية المشتركة.
وأضاف أن الجمهور الروسي يمتلك تقليداً ثقافياً وأدبياً عميقاً في فهم الأعمال التي تتناول الأسئلة الوجودية والقلق الإنساني والبحث عن المعنى، وشعر أن المتلقي الروسي التقط بسرعة الجو الداخلي للعمل: الإحساس بالفقد والخذلان والصراع بين الحلم والواقع وبين الفرد والتاريخ.
وأكد أن المسرحية لا تتحدث فقط عن العالم العربي، بل عن الإنسان عندما يجد نفسه أمام انهيار صورته عن العالم، وهي قضية إنسانية عالمية، وربما لهذا السبب كان التفاعل مؤثراً وصادقاً.
ويقول قبيلات: «لقد تم توجيه دعوة لنا من قبل المهرجان الدولي للمسرح “الشباب. المسرح. المهرجان” ويقيمه مسرح الشباب باسم بريانتسفا في سان بطرسبورغ.
روسيا تمتلك تقاليد مسرحية وفكرية عميقة جداً، ولها تاريخ طويل في التعامل مع المسرح بوصفه مساحة للأسئلة الفلسفية والإنسانية الكبرى، وليس فقط للترفيه.
كما أنني شخصياً ابن المدرسة المسرحية الروسية خلال دراستي وتجربتي الفنية، فقد عملت في روسيا سابقاً في المسرح وفي معهد الثقافة والفنون ثم انتقلت للعمل في الأردن لتأسيس مسرح “الشمس” كمخرج ومدير فني، ولذلك كان من المهم بالنسبة لي أن أعود إلى روسيا بعرض جديد، لأعاود التواصل مع المسرح الروسي، والتفاعل مع الجمهور لأنه اختبار حقيقي يجب أن يستمر.
الرسالة الأساسية هي رسالة إنسانية وثقافية: أن الإنسان العربي ليس مجرد صورة إعلامية مرتبطة بالحروب، بل يمتلك أيضاً أسئلته الفكرية والفلسفية والجمالية العميقة».
ويضيف: «الأسئلة ما تزال حية بل وملحة إلى حد كبير، وربما لهذا السبب تبدو الرواية معاصرة حتى اليوم. تيسير سبول طرح أسئلته عن معنى الهزيمة الداخلية، وعن علاقة الإنسان بالسلطة، وبالحرية، وبالقدرة على التغيير. هذه الأسئلة لا تخص زمناً واحداً.
العالم كله اليوم يعيش أزمات كبرى: حروب، عزلة، خوف، انهيارات أخلاقية، وشعور متزايد بفقدان الجدوى. لذلك يعود الأدب الحقيقي دائماً، لأنه يلامس جوهر الإنسان.
المدهش في نص تيسير سبول هو صدقه الإنساني الكبير. هو لا يقدم أجوبة، بل يضع الإنسان أمام أسئلته المؤلمة. أعتقد أن وظيفة الفن الحقيقية ليست أن يعطي حلولاً، بل أن يجعلنا لا نتوقف عن طرح الأسئلة».
وأخيراً، كشف قبيلات عن علاقته الشخصية بالرواية، مؤكداً أنها ظلت تلاحقه منذ سنوات، وكان أحياناً يختفي عنها في دهاليز الحياة اليومية، لكن على إثر أحداث العامين الأخيرين سلم نفسه صاغراً إليها بحثاً عن طوق نجاة.
واستشهد بقول شخصية «عربي» في الرواية إنه يكتب شيئاً لا يدري ماذا يسميه لكنه يكتبه لأنه يزعجه، ووجد نفسه يعمل على الرواية ليحولها إلى نص يخرجه للمسرح، لأنه يزعجه.
لكنه أضاف أن العمل في المسرحية صار أرضاً صلبة يقف عليها، سواسيةً مع الزملاء الأصدقاء الأحبة وفريق المسرحية كلهم، الممثلين والطاقم الفني والإنتاجي، الذين كشفوا عن روح صادقة مبدعة، فتبنوا العمل وقدموا عصارة وجدانهم.



