أوروبا ودعوات إقصاء المسلمين وترحيلهم جماعيًا

فجّرت الأحداث التى تشهدها أوروبا حالياً من جديد الدعوات المطالبة بإقصاء المسلمين وترحيلهم جماعياً، وأعادت إلى الواجهة خطاباً سياسياً يربط بين الاضطرابات الاجتماعية والهجرة والتحولات الديموجرافية، ويصور الوجود الإسلامى باعتباره تهديداً للهوية الأوروبية. وتكمن خطورة هذا الاتجاه فى تجاوزه الخلاف حول سياسات الهجرة والاندماج إلى التشكيك فى حق ملايين المسلمين فى المواطنة والانتماء، بما ينذر بتحويل الاختلاف الدينى والثقافى إلى مصدر للاستقطاب.
ويستند هذا الخطاب إلى ادعاءات بأن الإسلام لا يتوافق مع القيم الأوروبية القائمة على العلمانية والحرية الفردية والمساواة بين الجنسين، مستشهداً بممارسات تتعلق بالحجاب والنقاب وزواج القاصرات والتطرف والإرهاب. وتكتسب هذه الحجج ثقلاً سياسياً عندما تتبناها شخصيات مثل Geert Wilders فى هولندا، وViktor Orbán فى المجر، وMarine Le Pen وÉric Zemmour فى فرنسا، إلى جانب مواقف Mateusz Morawiecki فى بولندا، وتتقاطع مع خطاب الرئيس الأمريكى Donald Trump بشأن الهجرة والتحولات الديموجرافية فى أوروبا.
وتكشف هذه المواقف عن توظيف متزايد للهوية الدينية والثقافية فى المنافسة السياسية. فمع تراجع الثقة فى قدرة المؤسسات على معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، يصبح تحميل جماعات بعينها مسؤولية هذه الأزمات وسيلة لتعبئة الناخبين وتوسيع النفوذ السياسى. وهكذا تتحول المخاوف المتعلقة بالسكن والأجور والخدمات والأمن إلى مواجهة حول هوية المجتمع، مع إغفال الأسباب الأعمق للأزمات والخلط بين المسؤولية الفردية والانتماء الدينى.
وقد وفرت الاحتجاجات والاضطرابات التى شهدتها دول أوروبية، بينها فرنسا وإيطاليا وبلجيكا والبرتغال، فرصة لتوسيع هذا الخطاب، خصوصاً عندما اقترنت بأعمال عنف ونهب وتخريب. غير أن جرائم الأفراد لا تبرر تحميل جماعات دينية بأكملها مسؤوليتها، أو اتخاذها ذريعة للتشكيك فى حق المسلمين فى المواطنة والانتماء. ويكمن الخطر فى توظيف هذه الأحداث لتبرير التمييز والإقصاء، بما يضعف التماسك الاجتماعى ويعمّق الانقسامات التى تستفيد منها التيارات المتطرفة.
وتُستخدم المخاوف الديموجرافية لتدعيم هذه الرؤية، رغم أن المسلمين لا يمثلون أغلبية سكانية فى الدول الأوروبية الكبرى. ووفق تقديرات Pew Research Center لعام 2025، بلغت نسبتهم نحو 9.1٪ فى فرنسا، و6.5٪ فى ألمانيا، و6.4٪ فى بريطانيا، و4.4٪ فى إيطاليا، مقابل نحو 6٪ من إجمالى سكان أوروبا. ولا تشير هذه الإحصاءات إلى تحول المسلمين إلى أغلبية سكانية، بل إن توظيف التغيرات الديموجرافية لتبرير إقصائهم أو ترحيلهم جماعياً يعكس تحويل المخاوف المتعلقة بالهوية إلى أداة للاستقطاب السياسى.
ولا يعنى رفض التمييز تجاهل المشكلات الحقيقية. فمن حق الدول الأوروبية مكافحة الإرهاب والتطرف، وحماية النساء والأطفال، وتطبيق القانون على الجميع. وفى المقابل، يتعين على المجتمعات الإسلامية مواجهة الأفكار المتشددة، وتصحيح الخطاب الدينى بما يعزز المواطنة والتسامح واحترام المعتقدات الأخرى. فالدفاع عن حقوق المسلمين لا يتعارض مع النقد الذاتى والإصلاح.
وتبرز هنا مسؤولية المؤسسات الدينية فى الدول الإسلامية، خاصه المؤسسات المعنية بالتعليم والإفتاء، عن تطوير برامج فاعلة لمواجهة التطرف وتصحيح المفاهيم المغلوطة. وتقدم «وثيقة الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمى والعيش المشترك»، التى وقّعها الإمام الأكبر أحمد الطيب، شيخ الأزهر، والبابا فرنسيس، بابا الفاتيكان، فى أبوظبى عام 2019، نموذجاً مهماً للحوار بين الأديان، يقوم على الكرامة الإنسانية المشتركة ورفض التمييز وتعزيز التعايش السلمى. وينبغى تحويل مبادئها إلى برامج تعليمية وثقافية وحوارات مجتمعية مستدامة، تؤكد أن الاختلاف الدينى لا يتعارض مع المواطنة واحترام القانون.
واستناداً الى ذلك تتحمل قيادات الجاليات الإسلامية فى أوروبا مسؤولية تعزيز اندماج الأجيال الجديدة، وتوسيع الحوار مع المؤسسات التعليمية والمجتمعية، وإدانة العنف والتصدى للتطرف، ودعم مشاركة المسلمين فى الحياة العامة. ويجب أن تكون شريكاً فاعلاً فى حماية المرأة والطفل واحترام القانون، بما يعزز الثقة المتبادلة ويحول دون استغلال أوجه القصور لتبرير التعميم والإقصاء.
إن مواجهة هذه الظاهرة مسؤولية مشتركة؛ فالدول الأوروبية مطالبة بصون المساواة والمواطنة وسيادة القانون، والمؤسسات الدينية الإسلامية بتصحيح خطابها، والجاليات المسلمة بتعزيز الاندماج ومعالجة الممارسات المخالفة للحقوق الأساسية. وبين رفض الإقصاء وضرورة الإصلاح، تظل وثيقة الأخوة الإنسانية إطاراً يمكن البناء عليه لإدارة التنوع، وحماية حقوق المسلمين، ومواجهة الاستقطاب والتطرف، وترسيخ التعايش السلمى باعتباره مصلحة مشتركة للجميع.
نقلاً عن المصري اليوم



