سورياشؤون عربية

ماذا بعد تصريحات الوزير الصالح عن خذلان المجتمع الدولي لسوريا؟

 

المصدر: RT

أعادت تصريحات وزير الطوارئ السوري رائد الصالح حول خذلان المجتمع الدولي لسوريا طرح السؤال حول حقيقة مسار التعافي الذي تروج له الحكومة السورية بدعم دولي.

وكذلك الدوافع الحقيقية وراء تمنع العديد من الدول عن مد سوريا بالأسباب التي تجعلها قادرة على الوقوف على قدميها وما إذا كان هذا الإمساك عن العطاء يندرج في باب الابتزاز السياسي بغية فرض الاملاءات من الخارج.

الوزير رائد الصالح البحصة حرر خيبته من عقال التحفظ الذي كتمه طويلا في ذات نفسه قبل أن يفصح عنه في لحظة مكاشفة نادرة، حيث كانت التصريحات الرسمية تشي بأن كل الأمور تسير على ما يرام وأن المجتمع الدولي برمته يقف عند خاطر سوريا الجديدة وأن الحياة الكريمة للسوريين قاب قوسين أو أدنى.

ربما أدرك الصالح بأن المواطن السوري الذي كواه ارتفاع الأسعار بشواظ من نار لم يعد يملك الجلد على الاستماع إلى جرس الوعود، فيما الفقر المدقع يتوعده في كل لحظة وقد زاد من عجبه أن الدول التي أعطت الثورة المال والسلاح بسخاء منقطع النظير أمسكت يدها عن الدعم المالي والاقتصادي، عقب سقوط الأسد إلا بالمقدار الذي يجعل الأمور تقف عند أبواب الإنهيار دون الولوج إلى عالمه.

ولأن لكل وزير من اسم وزارته نصيب فقد أعلن وزير الطوارئ وإدارة الكوارث عن حالة الطوارئ حين جزم بأن مؤتمرات الدول المانحة التي تعقد عادة من أجل النهوض بواقع الدول الخارجة لتوها من الحرب لم تجر على سوريا فوجب على السوريين إدارة كوارثهم بأنفسهم، وحين تتوقف دولة غنية مثل قطر عن إعطاء سوريا منحة الكهرباء التي يفترض أنها من طرف جيب الجلابية الخليجية، فإن وراء الأكمة ما وراءها فما عرف عن الإمارة الخليجية البخل وليس في سياستها ولا في سياسة بقية دول الخليج التوقف عن دعم دولة وليدة تقتضي الحكمة شراء النفوذ فيها بالمال والاستثمارات والقروض والأعطيات.

لكن ذلك كله وفق مراقبين يصدع بقرار وقف التنفيذ حين يأتي الأمر الأمريكي ومن ورائه الرغبة الإسرائيلية بإغلاق صنبور الدعم لحين تنفيذ دمشق لشروط الحاكمين بأمرهما في واشنطن وتل أبيب، وحتى ذلك الوقت لا ضير أن تواجه الحكومة السورية استحقاقات دفع رواتب الموظفين برفع الأسعار وفرض الضرائب ولا ضير أن يزداد غليان الشارع السوري المرهق ليصل حد الصدام مع الحكومة التي ستضطر في نهاية المطاف وفق مراقبين إلى طرق باب واشنطن والتسليم لأمرها وأمر اسرائيل حينها قد يفتح الصنبور قليلا أو كثيرا حسب مستوى التنازلات المقدمة.

مكاشفة الصالح

يرى المحلل السياسي السوري خالد الفطيم أن من الشجاعة والحكمة قيام المسؤولين السوريين بمكاشفة الشعب حول الواقع الذي تعيشه الحكومة، فهذا الأمر أدعى لتخفيف الضغوط عنها حين يوضع السوريين في صورة إمكاناتها الحالية.

وأشاد الفطيم في حديثه لـ RT بكلام وزير إدارة الطوارئ والكوارث السوري رائد الصالح في تصريحه لقناة الحرة على هامش اجتماعات الأمم المتحدة في سبتمبر 2026، والذي قال فيه بأن المجتمع الدولي تقاعس عن تقديم الدعم الحقيقي واللازم لملف إعادة إعمار سوريا.

وأضاف بأن الوزير كان واضحا في الحديث عن غياب المؤتمرات الدولية المخصصة لجمع الأموال ودعم إعادة إعمار سوريا بعد حرب طويلة امتدت ل 14 عاما، وهو ما كان يحصل عادة في أزمات مشابهة عاشتها دول آخرى حيث قدر الصالح تكلفة احتياجات البلاد لإعادة الإعمار بأكثر من 300 مليار دولار وهو رقم لا يمكن الحصول عليه من خلال مساعدات متفرقة تأتي من هنا وهناك بل يحتاج إلى شراكات واستثمارات طويلة الأمد.

ولفت المحلل السياسي إلى ما قاله الوزير الصالح من أن خذلان الشعب السوري ليس جديدا وبالتالي فقد وجب على الحكومة الحالية التركيز على بناء استثمارات وشراكات اقتصادية مستدامة وخلق فرص عمل لضمان الاستقرار وعودة النازحين بكرامة، مشيرا إلى أن أولى الخطوات الصحيحة في هذا السياق جاءت من خلال المكاشفة مع الشعب في حين أن الجهود الحكومية الحالية يجب أن تركز على العلاقات البينية مع الدول الحريصة على استقرار سوريا وهي كثيرة وغنية، الأمر الذي يشجعها في نهاية المطاف على الاستثمار في هذا البلد ودعمه إلى حين التوصل إلى تسويات كبرى في المنطقة تسمح بعقد مؤتمر الدول المانحة الحريصة على انخراط دمشق في أجواء الاستقرار لأن التشبيك الاقتصادي بين دول الإقليم ومعهم واشنطن والاتحاد الأوروبي سيدفع باتجاه هذا القرار.

وأشار الفطيم إلى أن الدول العربية والخليجية تحديدا لن تتخلى عن دعم سوريا لكن الإنصاف يقتضي القول بأن الظروف الصعبة التي تعيشها هذه الدول نتيجة الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران والخسائر الكبيرة التي تتكبدها كل يوم دفعها إلى إعادة ترتيب أولوياتها وفق مصلحتها الوطنية بالدرجة الأولى، دون أن يعني ذلك أن سوريا خارج حسابات هذه الدول الشقيقة التي ستعود ولا شك حين تستقر أمورها إلى دعم وإسناد الحكومة والشعب في سوريا.

فتش عن اسرائيل

من جانبه يرى المحلل السياسي السوري غازي حسين أن السياسة الدولية الخاصة بسوريا تسير ضمن حالة انفصام مدروس بدقة.

فمن جانب هناك احتفاء دولي بالحكومة السورية وانفتاح غير مسبوق عليها من قبل كل دول العالم ومن جانب آخر فإن الأموال، فضلا عن الاستثمارات لا تصل إليها إلا بمقدار معلوم وبسيط وهذا الأمر يدفع باتجاه اليقين بوجود رغبة صريحة في ابتزاز دمشق سياسيا من قبل واشنطن وتل أبيب اللتين تمتلكان القدرة على ممارسة الضغوط على كل الدول بما فيها العربية من أجل تخفيض دعم الحكومة السورية إلى أقل مستوى ممكن.

وأوضح حسين في حديثه لـ RT بأن هذه السياسة الأمريكية الاسرائيلية مقصودة ويراد من خلالها خنق الحكومة والشعب في سوريا من أجل دفعهما إلى تقديم أكبر قدر من التنازلات فيما يتعلق بقضايا سيادية مثل الجولان والاتفاق الأمني و شرعنة التحرك الإسرائيلي العسكري في سوريا باعتباره تنسيقا مع دمشق وليس سلوكاً اسرائيليا منفردا وشاذا ومدانا.

ولفت المحلل السياسي إلى أن دولا مثل قطر والسعودية تملك الرغبة في تقديم الدعم المالي لسوريا لأن هذا الأمر سيزيد من حضورها الناعم ونفوذها السياسي في هذا البلد لكنها لا تملك القدرة على مخالفة القرار الأمريكي الذي يربط الدعم بشروط عديدة أهمها أمن اسرائيل المطلق، الذي يدوس السيادة السورية وإلزام الحكومة السورية بالتعامل عسكريا ضد حلفاء إيران في لبنان والعراق، فضلا عن تسليم موارد البلاد الاقتصادية للشركات الأمريكية.
وأعرب حسين عن اعتقاده بأن التأزيم المقصود دوليا للوضع الاقتصادي في سوريا لم يكن بعيدا عن تمنع الرئيس الشرع من دخول لبنان لمحاربة حزب الله نتيجة إدراكه لعواقب هذا المجازفة على سوريا ولبنان، وربما على حكمه نفسه وما زاد الأمور تعقيداً هو حديثه قبل أيام ومن واشنطن عن أن الجولان سوري وأنه أشار على الرئيس ترامب منح اسرائيل ولاية أمريكية بدلا منه، وهو أمر لن يمر دون قصاص أمريكي لسوريا نتيجة هذا التصريح الذي بدا أنه خروج صريح عن الإرادة الأمريكية.

وختم المحلل السياسي حديثه لموقعنا بالإشارة إلى أن اسرائيل لم تكتف بالضغط من أجل تجفيف منابع الدعم المالي لسوريا بغية انهاكها وفرض الشروط عليها، لكنها أسندت هذه الضغوط بغارات يومية وتوغلات برية في الأراضي السورية بقصد تنفير رؤوس الأموال من القدوم إلى سوريا والتأكيد على فكرة أنها بلد يفتقد إلى الأمان والاستقرار وبالتالي لا جدوى من جلب الاستثمارات إليها بل إن الخسارة كل الخسارة في القيام بخطوة كهذه.

لا دعم من دون إصلاح سياسي

من جانبه يرى الخبير الاقتصادي علي عبدالله أن ما تبدو أنها مشاريع إعادة إعمار في سوريا لا تعدو كونها مشاريع تطوير عقاري يعود نفعها على هذه الشركات وعلى حفنة قليلة من السوريين الذين انتقوها لأجل منفعتهم الخاصة، في الوقت الذي ينتظر من مشاريع إعادة الإعمار إيجاد مئات آلاف فرص العمل للسوريين وانعكاسا إيجابيا على مناحي الحياة الاقتصادية في سوريا برمتها على اعتبار أن دوران عجلة الاقتصاد مرتبطة بمشاريع إعادة الإعمار.

وأكد عبد الله في حديثه لـ RT بأن الجزء الأكبر من المشكلة في سوريا يرتبط بغياب الإصلاح السياسي الذي يقود بالضرورة إلى إصلاح اقتصادي، حيث لا يوجد اليوم من يحاسب الحكومة على أخطائها فيما أعضاء مجلس الشعب يقدمون لها فروض الطاعة العمياء لأنها هي التي أتت بهم كي لا يشاغبوا عليها.

ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن أحدا لا يمكن أن يخاطر بالاستثمار في سوريا طالما أن البلاد لم تصل بعد إلى مرحلة الاستقرار الأمني والسياسي وضبط السلاح المتفلت وهو استقرار لن يحصل من دون عودة الحياة السياسية إلى البلاد والتي سينتج عنها انتخابات ديمقراطية تأتي بحكومة وطنية شاملة تضم كل الأطياف وتحظى بدعم من المجتمع الدولي، الذي سيتعامل معها باعتبارها حكومة شرعية منتخبة يمكن الركون إليها في التعامل مع كافة القضايا المهمة كما أن وجودها سيحل كل العقد القانونية والإدارية التي يمكن أن تلصق بالحكومة الانتقالية الحالية التي تتجاوز سقف صلاحياتها بشكل واضح وتتهم بأنها حكومة الطيف الواحد

استنزاف الرصيد

بدوره يرى المحلل السياسي علي ديوب أن الشعبية الكبيرة التي كسبتها الحكومة السورية الحالية تأتت من وراء سقوط نظام الأسد والآفاق التي يفترض أن هذا السقوط قد فتحها أمام الشعب السوري المرهق والمحبط.

وأكد ديوب في حديثه لـ RT أن السوريين تجشموا عناء الصبر على الظروف الاقتصادية الصعبة في المرحلة الأولى لانتصار الثورة نتيجة كوة الأمل التي فتحت أمامهم، والتي غذتها السردية الرسمية للحكم والتي تقول بأن المجتمع الدولي يقف مع سوريا وأن العالم سيأخذ بيدها إلى الاستقرار لولا أن الانهيار المعيشي تسارع على نحو غير مسبوق كما أن السياسة الاقتصادية لم تقترن بأداء إداري يوحي بالرغبة، فضلا عن القدرة على الإدارة الحكيمة للموارد ريثما يقرر العالم إقامة مؤتمر للمانحين يضع الأسس القويمة لقيامة سوريا.

وأضاف ديوب بأن المظاهرات غير المسبوقة والاحتجاجات الغاضبة التي تلت قرارات رفع أسعار الوقود أعطت إشارات واضحة بأن رصيد الحكومة في انحدار وأن السوريين باتوا اليوم غير معنيين بالاحتفاء بالمؤتمرات التي تتحدث عن إبرام العقود وجلب الاستثمارات لأنهم يريدون أن يجدوا انعكاس ذلك في حياتهم اليومية وليس على مستوى الخطب والبيانات الرسمية.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى