مقالات وآراء

مواجهة النظام الإيراني!

بندر الدوشي

إذا فشلت المفاوضات مع طهران ولجأت واشنطن إلى العمل العسكري مجدداً، فلن يكون أمام دول الخليج سوى مسارين. إما أن تشارك بفاعلية في تفكيك النظام الذي يشن حملة عدائية ضدها منذ أربعة عقود، أو أن تستعد لسنوات، وربما لعقود، من الإرهاب الذي تديره إيران. لا توجد منطقة وسطى مريحة تقوم على الحياد المدروس أو ضبط النفس المحسوب للتعامل مع إيران.

التحليلات الأيديولوجية التي ترى أي مسار للرد على إيران بأنه في إطار خدمة إسرائيل غير دقيقة؛ لأن الجميع يعلم أن الهجمات الإيرانية المباشرة والواضحة على أمننا القومي سبقت الحربين الأخيرتين بين إسرائيل وإيران ومنذ سنوات طويلة وهي تمثل تهديداً وجودياً لسيادتنا وازدهارنا ومستقبلنا، وعلى العكس إيران من تجر المنطقة إلى الصراعات والحروب بشكل مباشر وخطير.

تفردت المملكة العربية السعودية، طوال العقود الماضية، بالتصدي للعدوان الإيراني بكل حزم، فجرّمت الجماعات المتعاطفة معه، ومنعت كافة أشكال التبادل التجاري معه، إدراكاً منها بخطورة هذا النظام. وفي المقابل، شرّعت بعض الدول الخليجية والعربية أبوابها الاقتصادية ومنصاتها الإعلامية أمام طهران، وتبنت مقاربات منفتحة قبل أن تستيقظ مؤخراً على الاستهدافات الوحشية التي طالت أمنها، لتدرك متأخرةً فداحة رهاناتها الخاطئة، فمن يُطعم الوحش، عليه في النهاية أن يتحمل عواقب تغوّله.

ولننظر إلى وقائع العقود الأربعة الماضية. فمنذ ثورة عام 1979، انتهج النظام في طهران سياسة معلنة تقوم على تصدير أيديولوجيته وتقويض شرعية الحكومات الخليجية. فقد كرّس احتلاله لجزر استراتيجية تطالب بها الإمارات منذ عام 1971 ولم يتخلَّ عن مطالبه التوسعية فيها. كما دعم شبكات تخريبية ومحاولات انقلاب في البحرين والكويت خلال ثمانينيات القرن الماضي.
ودعم الهجمات التي استهدفت أهدافاً سعودية، من بينها تفجير أبراج الخبر عام 1996. كذلك حوّل حركة الحوثيين في اليمن إلى ميلشيات متطورة مزودة بطائرات مسيرة وصواريخ باليستية ومجنحة ومركبات بحرية غير مأهولة مصممة إيرانياً. وقد استُخدمت هذه الأسلحة بشكل مستمر لاستهداف مدن سعودية ومطارات مدنية ومنشآت نفطية حيوية. كما أن الهجمات على ناقلات النفط في خليج عُمان، والتهديدات بإغلاق مضيق هرمز، والعمليات السيبرانية التي استهدفت مؤسساتنا، كلها تشكل نمطاً متسقاً ومتصاعدا من الحرب غير المباشرة إلا أن أخطرها نقل الصراع إلى دول الخليج عبر الاستهدافات المباشرة.
هذه الأعمال الإيرانية الإرهابية ليست ردا على الهجمات الإسرائيلية، إنما هي عقيدة أساسية لنظام تعتقد أيديولوجيته التأسيسية أن دول الخليج العربية المزدهرة والمستقلة تمثل عقبات أمام هيمنته الإقليمية.
ولا أرى أي مسوغ لاستهداف دول الخليج سوى الحقد الأيديولوجي؛ حيث تتذرع طهران بمحاربة العدوان الأجنبي لتبرير عدوانها علينا، وتغض الطرف عن أذربيجان التي فتحت حدودها للجيش الإسرائيلي، وعن تركيا التي تستضيف قواعد أمريكية بأسلحة نووية، فضلاً عن الأساطيل الأمريكية على سواحلها التي تفرض عليها حصاراً خانقاً. ورغم هذا الطوق العسكري، تختار إيران توجيه صواريخها نحو دول الخليج، لتؤكد أن استهدافنا عقيدة راسخة وليس ردة فعل.
لم تتوقف آلة الخراب الإيرانية يوماً عن التوغل في الدم العربي، في مسيرة دموية بدأت بحرب الثماني سنوات التي استنزفت العراق، وصولاً إلى التدمير الممنهج لسوريا وعواصم عربية أخرى دون رادع. هذا النظام التوسعي لا يعترف بالحدود، ولو سنحت له الفرصة فلن يتوانى لحظة عن استنساخ الخراب العراقي والسوري في قلب الخليج. هذه حقائق تاريخية مؤلمة يجب استحضارها اليوم بقوة، لتكون جرس إنذار يوحد الصف العربي والخليجي في جبهة صلبة، تضع حداً نهائياً لهذا العبث الذي يقتات على تفتيت المنطقة ويهدد أمنها واستقرارها.

وعليه، فإن الخيار المطروح أمامنا ثنائي وصارم. فالضربات المحدودة التي تستهدف المواقع النووية أو قدرات الحرس الثوري مع الإبقاء على النظام القائم ستؤدي إلى النتيجة ذاتها التي نخشاها، وهي صراع منخفض الحدة ومستمر عبر الميليشيات، وهجمات متجددة على الملاحة ومنشآت الطاقة، وشبح دائم من التصعيد.
أما البديل، فهو الإقرار بأن الأمن الدائم يتطلب إزالة مصدر التهديد نفسه وهو النظام الأيديولوجي الذي يعتمد بقاؤه على الصراع المستمر وزعزعة استقرار المنطقة. المشاركة الفاعلة في إسقاط النظام لا تعني الاصطفاف الأعمى أو تحمل مخاطر غير ضرورية، لكنها تعني توظيف ما نملكه من أدوات وقدرات لحماية أراضينا وبنيتنا التحتية.
أُدرك تماماً حجم المخاطر والتحديات التي تواجه دول الخليج، ولا أتجاهل التقييمات التي ترجح تداعي النظام الإيراني وأن الوقت ليس في صالح هذا النظام، وتعتبر أن تجنب الانجرار إلى حرب مكلفة هو الخيار الأكثر عقلانية لحماية مقدراتنا من صراع مفتوح بلا نهاية. ومع ذلك، يجب الإقرار بأنه لا توجد حروب نظيفة ولا صراعات بلا ثمن، فأي تحرك أو تصعيد محتمل لن يكون خدمة لأجندات أي قوة خارجية، إنما دفاع حتمي وضروري لاستعادة الردع وتأمين مصالحنا الوطنية المباشرة.

لم يعد هناك متسع من الوقت للغرق في التحليلات الأيديولوجية والصراعات الجانبية، فالمسار العدائي لإيران ضد دول الخليج اتسم بالثبات والتصاعد المباشر على مدار العقود الماضية، ليبلغ اليوم ذروة خطورته. وعندما تصل الجهود الدبلوماسية إلى طريق مسدود، فلن يكون أمامنا سوى مسارين، إما المبادرة لإنهاء التهديد من منبعه، أو الرضوخ لعواقبه.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى