مقالات وآراء

“مجلس التعاون”.. هل قلقي مبرر؟

د. إحسان علي بوحليقة

لا أعرف أكانت هي مصادفة أم قدرا أن أباشر عملي في منظمة الخليج للاستشارات الصناعية، في أول أيام الغزو الغاشم على دولة الكويت في العام 1990، أذكر أنه كان يوم خميس، وعندما علمت بالخبر كنت في شارع “الكهرباء” في قلب مدينة الدوحة لشراء إفطار! وقتها انتابني قلق لم يفارقني أشهرا، فقد خبرت مدن الخليج العربي صغيرا مرافقا والدي، رحمة الله عليه، في أسفاره إلى قطر والبحرين والكويت، وكان الدافع الأساس لي للانضمام للمنظمة الخليجية، ومقرها الدوحة دولة قطر، هو العمل المشترك الخليجي والمشاريع الاقتصادية الصناعية التكاملية، بعد معايشة خيبات الأمل المتتابعة في العمل المشترك العربي؛ وعود مُحلقة ونتائج هامشية، وليس أقل الشواهد السوق العربية المشتركة واتفاقية الدفاع المشترك! أما عملي في المنظمة فقد أتاح تعلقا أكبر بمجلس التعاون لدول الخليج العربية، كفكرة وكاتفاقيات وكفرصة للتكاتف صدا للتحديات.

لكني أذكر كذلك أني عكفت على دراسة تحليلية عن الاستثمار الأجنبي وعوائقه، لمست من واقع أرقامها تنافسا واستقطابا؛ فكانت المهمة كيف يمكن وضع إطار شامل يجعل سياسات الاستثمار تكاملية مدمجة لا انفرادية متنافسة. كان حلما وبقي كذلك.
الآن، وبعد مضي 35 عاما، وبين الحربين، الأولى التي كانت بين العراق وإيران والحالية التي بين الولايات المتحدة و “إسرائيل” وإيران، كيف المشهد؟ وهل للقلق مبرر؟

في لمحة موضوعية على الاقتصاد الخليجي قبل الحرب الراهنة وأثناءها وفي الهدنة الحالية، نجد أنه في العام 2025 اتضح أن اقتصادات دول مجلس التعاون الست قد حققت أداء قويا نسبيا قبل اندلاع الحرب؛ سجل النمو الاقتصادي الحقيقي للمنطقة معدلات إيجابية، مدعوما بنشاط قوي في القطاعات غير النفطية، خصوصا في السعودية والإمارات، وشهدت معدلات التوظيف تحسنا مع انخفاض البطالة، خصوصا في القطاعات الجديدة، فيما نجحت الدول في استقطاب تدفقات استثمار أجنبي مباشر قياسية بفضل الإصلاحات التنظيمية والمشاريع الكبرى.

أما نجاحات التنويع، فقد برزت بوضوح في الصناعة التحويلية (خصوصا في السعودية والإمارات)، والنقل واللوجستيات (مثل موانئ في السعودية على الخليج العربي والبحر الأحمر ودبي وسلطنة عمان)، والسياحة (نمو مزدوج الرقم في عدد الزوار في السعودية وقطر والإمارات)، وبدرجة أقل في الزراعة التقنية الحديثة، وكشاهد على ذلك كانت توقعات صندوق النقد الدولي المبدئية للعام 2026 إيجابية، حيث توقع نموا إجماليا لدول المجلس يتراوح بين 3.2 % و4.5 %، مدعوما باستمرار التنويع.
أما مع بداية الحرب في 28 فبراير 2026، فقد تعرض الاقتصاد الخليجي لصدمة عرض حادة (supply shock) ناتجة عن اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز – الذي يمر عبره نحو 20 % من إمدادات النفط العالمية – وارتفاع مخاطر سلاسل الإمداد العالمية، وبالنتيجة أدى ذلك إلى ارتفاع أسعار النفط عالميا نتيجة لتصاعد المخاطر الجيوسياسية والجيواقتصادية، لكنه تسبب أيضا في انخفاض التصدير والإنتاج في بعض الدول، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين بشكل كبير، وتبع ذلك أن تعايش بعض الدول الأعضاء انكماشا متوقعا في النمو الاقتصادي خلال 2026، خصوصا في قطاعات السياحة والعقارات والبناء التي تعد حساسة للتوترات الجيوسياسية.

وبدهي أن تداعيات الصدمة كانت أكثر حدة على الدول الأكثر اعتمادا على المضيق كممر تصديري رئيس، ومع ذلك تعاملت دول المجلس في البداية مع الصدمة من خلال زيادة الإنتاج النفطي حيث أمكن، واستخدام المخزونات الاستراتيجية، وإعادة توجيه بعض الصادرات عبر طرق بديلة. أما في مرحلة التكيف اللاحقة، فقد تسارعت الجهود لتعزيز التنويع، خصوصا في مجالات الطاقة المتجددة واللوجستيات البديلة والتجارة مع أسواق آسيا وأوروبا، وهنا أظهرت الدول إجمالا قدرة على التكيف مع صدمة العرض من خلال ما تملكه من احتياطيات مالية ومخزونات غذائية وبنية تحتية متقدمة، واتضح ذلك بشكل خاص في السعودية التي وفرت حلا لمدّ منظومة النقل والخدمات اللوجستية برشاقة لافتة عبر كامل امتداد الرقعة الجغرافية السعودية غربا وشمالا، في تنفيذ عملي لمفهوم العمق الخليجي المشترك؛ فما كان يذهب من موانئ الخليج وإليها انتقل إلى الساحل الغربي للسعودية بسلاسة ودعة.

كما أن القطاع الخاص غير النفطي أظهر مرونة ملحوظة؛ ما ساعد في الحفاظ على نمو جزئي على رغم الظروف الصعبة، أما على الصعيد الجيوسياسي، فقد أدت الحرب إلى مزيج من التقارب والتباعد داخل المجلس.

من جهة، دفع التهديد المشترك إلى تنسيق أمني واقتصادي أعلى في مجالات الطاقة والأمن الغذائي. ومن جهة أخرى، ظهرت استجابات وطنية فردية متفاوتة، حيث اعتمدت كل دولة سياساتها الخاصة في التعامل مع الشركاء الدوليين (الولايات المتحدة، الصين، روسيا). لكن لا بد من الإقرار بأن الاختلافات بين الدول الأعضاء لم تختفِ؛ ما يشير إلى أن الوحدة الخليجية تظهر بشكل أقوى في أوقات الأزمات الخارجية، لكنها تواجه تحديات لا بد من العمل حثيثا على تجاوزها، فلا حل مجديا سوى ذلك.

في مرحلة الهدنة الهشة الحالية، يشهد الاقتصاد الخليجي تعافيا جزئيا. انخفضت توقعات النمو العامة مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، لكن القطاعات غير النفطية ما تزال تقود الانتعاش في معظم الدول. ومع ذلك، تظل المخاطر قائمة، مثل ارتفاع تكاليف التأمين وتردد الاستثمارات، ولاسيما تدفق الاستثمار الخاص المباشر.

أعود لنقطة البداية، يبدو أن شعار “خليجنا واحد” يحتفظ بقيمة رمزية قوية في مواجهة التهديدات الخارجية، لكنه يواجه صعوبة في التحول إلى تكامل اقتصادي وسياسي عميق في ظل المصالح الوطنية المتزايدة، وأحيانا المتباعدة أو المتعارضة أو التي لا تخلو من ازدواجية؛ ففي التسعينيات كنا نتحدث عن تجنب الازدواجية في إقامة مصانع البتروكيماويات ومصاهر الحديد، والآن نجد لكل دولة نسقا في مراكز البيانات ومبادرات الذكاء الاصطناعي، على سبيل المثال لا الحصر.

الواقع الجديد الذي فرضته الحرب ليس مؤقتا بالكامل؛ فالمخاطر الجيوسياسية المستمرة والتنافس على الأسواق العالمية يدفعان نحو تنويع فردي أكثر شراسة، مع تعاون جماعي انتقائي ومحدود. هذا التحول يعكس مرحلة انتقالية في تاريخ الخليج الاقتصادي، قد تستمر حتى بعد زوال حالة الحرب، ولتجنب حدوث ذلك لا بد من العودة بعزيمة أمضى لجعل “خليجنا واحد”، وأزعم أنها البديل الأقل تكلفة والأعلى عائدا. أما فيما يخص القلق الذي حدثتكم عنه، فكما يقول المثل الخليجي “كل على همه سرى”.

نقلاً عن البلاد

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى