من المنتصر في هذه الحرب ؟!

نادين خماش
في كلّ مرة تشتعل فيها شرارة المواجهة، يبرز سؤال “من المنتصر؟” كأول تساؤل يطرحه المتابعون والمحللون على حد سواء خلال الحرب واليوم التالي، وكأنه المحرك الأساسي لفهم مآلات الحروب…
تاريخياً يقول بعض قادة الحروب، لا يوجد هناك منتصرٌ حقيقي في أي حرب ،بل من يخسر أقل… فإذا كان عنوان هذه الحرب الأخيرة العريض أميركا وإيران ، إلا أن الأخيرة أرادتها إقليمية وحرفت بوصلتها من حرب ثنائية إلى حرب متعددة الأطراف بعدوانها اليومي على دول الخليج . سعياً لفك الارتباط عن المواجهة المباشرة مع القوى العظمى، انتهجت طهران استراتيجية تهدف إلى “إقليمية” الصراع، عبر محاولة تحويل بوصلة التصعيد من المحور (الإيراني-الأميركي الإسرائيلي ) إلى اشتباك مع دول الخليج العربي. كانت الغاية من هذه المناورة هي تخفيف الضغط الدولي عنها وتحويل جيرانها إلى “دروع بشرية” سياسياً أو ساحات لتصفية الحسابات عبر نيّة عدوان مبيّتة لاستهداف نموذج الإزدهار والتقدّم ، مراهنةً على استدراج المنطقة إلى استقطاب حاد يجبر المجتمع الدولي على التفاوض وفق شروطها.
إلا أن هذه المحاولات ارتطمت بجدار من العقلانية والحكمة السياسية الخليجية ، حيث تبنّت دول المنطقة رؤية استراتيجية قائمة على “صفر مشاكل” وتغليب لغة الدبلوماسية على المواجهة العسكرية. هذا النضج السياسي فوّت الفرصة على محاولات الجر إلى مربع التصادم، وأثبت أن أمن الخليج لم يعد ورقة يمكن التلاعب بها لتغيير عناوين الصراعات الكبرى، مما أبقى المواجهة في إطارها الأصلي كأزمة بين طهران وواشنطن، معزولاً عن طموحات الهيمنة الإقليمية.
فالإجابة على سؤال عنوان المقال اذاً من المنتصر ؟ دول الخليج حتماً لماذا وكيف ؟
تتجلى ملامح “الانتصار الخليجي” في هذه المعادلة الصعبة من خلال ترسيخ مفهوم القوة العاقلة التي استطاعت تحويل منطقة كانت تُصنف كساحة صراع محتملة إلى مركز ثقل محصن بالاستقرار رغم اضطراب الأجواء بالاعتراضات للصواريخ والمسيّرات الا أنه على الأرض حياة المواطن والمقيم ظلت ثابتة بل قدّمت دول الخليج تعريفاً حرفياً للأمن والأمان الدي كان الناس يرددونه قبل الحرب ، حيث اثبتت أنها محصنة دفاعياً على أعلى الدرجات في مدن خليجية لم نكن نتوقع أصلاً ان تكون في قلب أي صراع أو معركة . لقد انتصرت دول الخليج حتماً حين رفضت الانجرار خلف الاستفزازات التي كانت تهدف إلى استنزاف مواردها، واختارت بدلاً . والأهمّ من ذلك أنّ هذا الانتصار لم يتحقق بطلقة رصاص، بل عبر فرض واقع جديد جعل من استقرار الخليج ضرورة لا يمكن المساس بها، ومن تفوق نموذجه التنموي وسيلة لردع أي محاولات لزعزعة أمنه.
فبينما كان الرهان على تحويل المنطقة إلى طرف في النزاع وقالوها صراحةً المسؤولين الإيرانيين قبل الحرب آخرهم خامنئي قبل مقتله الذي هدّد بحرب إقليمية ، رحل ولم يتحققّ مراده …
أثبتت العواصم الخليجية أنها “الرقم الصعب” لقد كسبت دول الخليج الرهان بتحصين الداخل ، مما جعل أي محاولة لجرها تصطدم بالفشل …
الاختبار الحقيقي الأول الذي عاشه المواطن والمقيم على أرضها ففي ذروة التصعيد، وبينما كانت السماء تشهد كثافة غير مسبوقة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، برزت الفاعلية الدفاعية كأولى رسائل الطمأنينة الشعبية ، هذا الصمود الميداني أجهض “حرب الأعصاب” التي كانت تراهن على دب الذعر في النفوس فبرغم كثرة التساؤلات والتخوفات التي سادت في بدايات الأزمة حول استمرارية الحياة اليومية، وهل ستنقطع إمدادات المياه أو تتعطل سلاسل الغذاء، إلا أن الواقع أثبت عكس ذلك تماماً. لقد استمرت عجلة الحياة بدورانها المعتاد فلم تغب سلعة من الأرفف، ولم تتأثر الخدمات الأساسية ولو للحظة واحدة. هذا الثبات حوّل القلق الشعبي إلى ثقة مطلقة في مؤسسات الدولة …
لمسنا ما يُشبه قطار خليجي للأمن الغذائي والحياتي يرتبط جغرافياً بين الدول الخليجية ورغم التحديات الا أنّ الأهمّ لم يشعر الساكن هنا بحجم التحديات اللوجستية والأمنية الجديدة التي حلّت بمنطقتنا ، وهذا بحدّ ذاته انتصار …



