العرب بين إيران وإسرائيل

كان قيام الجمهورية الإيرانية الإسلامية في فبراير 1979 إيذاناً بميلاد نوعية خاصة من الاضطراب السياسي والخلط الديني، ذلك أن إيران قد بدأت تفكر بمنطق مختلف يقوم على تصدير الثورة وإحياء المشاعر الدينية والأخذ بدرجة كبرى من التطرف الذي لا مبرر له، ويكفي أن نتذكر حال المنطقة قبل قيام الثورة الإيرانية لكي ندرك أن الإسلام الحنيف براء منها وبعيد منها، فقد كان التعايش المشترك قائماً على رغم مظالم الغرب وسطوته على الشرق، وعبثه بالمقدسات واستيلائه على أرض فلسطين، ولكن الصراع في مجمله كان سياسياً بين الوطنية والعروبة في جانب وجنوح التطرف والتعصب في جانب آخر.
أكتب اليوم تحت هذا العنوان شديد الحساسية بالغ التعقيد قبل أن يبدأ أزيز الطائرات وسقوط القنابل وانطلاق الصواريخ، راجياً أن تتمكن المنطقة من تجاوز هذه الحالة الصعبة والخروج من هذا المأزق الذي فرضه الغرب (الترمبي) مع التعصب الديني والتشدد السياسي على الجانب الآخر، حتى أصبحنا قاب قوسين أو أدنى من مواجهات طويلة وجرائم بلا نهاية، إذ نسمع كل صباح عن حصاد عدد من الشهداء على الأرض العربية في صدام لا يتوقف بخاصة أن وصول ترمب إلى السلطة أصبح يعني مفاجآت يومية وصراعات دموية وقدرة هائلة على المواجهات المستمرة.
نحن أبناء الشرق الأوسط نعيش أصعب سنوات عمرنا وأعقد مراحل حياتنا، لأن القدر شاء أن تجرنا التغيرات الدولية والتحولات الإقليمية إلى مواقف شديدة الصعوبة بالغة التعقيد، فإذا كانت القضية الفلسطينية هي أم القضايا، وهي قميص عثمان الذي يرتديه كل من يريد أن يعبث بمقادير هذا الإقليم الذي يتوسط العالم ويقف على خطوط الاتصال البحري والمواصلات البرية في عالم اليوم، فإننا نتفهم جيداً أسباب ذلك التكالب عليه والرغبة الشديدة في تحقيق أكبر قدر من المكاسب في ظل الظروف الراهنة التي لا أبالغ عندما أقول إنها أقرب إلى طبول الحرب منها إلى أهازيج السلام.
لقد استيقظت النعرات التاريخية وانتشر خطاب الكراهية وظهر التعصب الذي كنا قد ابتعدنا منه منذ عدة قرون ليطل علينا التطرف بوجهه الكئيب من الجانبين معاً المشرق والمغرب، الشمال والجنوب، الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها في جانب والشرق العربي المسلم في جانب آخر، وأنا لا أزعم أن هناك ملائكة وشياطين، فليس لدينا أمام إبليس من يمكن أن نسميه بالقديس، إذ إن شهوة الاستقطاب والتصعيد اليومي والرغبة في تأجيج الصراعات وسكب الدماء لا تقف في مجملها عند حد معين، ولا يزال نفير الحرب ينشر المخاوف ويبعث على التشاؤم.
الذي يعنينا في هذا المقام هو الإجابة عن سؤال مُلح عن كيفية تصرف العرب في ظل هذا المأزق الذي يضعهم دوماً في بؤرة الأحداث ويحملهم مسؤولية جرائم لم يرتكبوها، ولكن الذي صنعها وصاغ إطارها إنما هو المشروع الصهيوني البعيد الذي استطاع استقطاب دول كبرى وتمكن من خنق الشرعية وإحلال منطق القوة بديلاً عن الحق، حتى أصبح سكان الكوكب يعيشون في ظل شريعة الغاب على رغم التقدم التكنولوجي والذكاء الاصطناعي وتحقيق قفزات هائلة في ميادين العلم والمعرفة ومجالات الاكتشاف والاختراع، وعندما تقترن سطوة الحكم بقسوة السلطان فإننا نكون إزاء حائط صد لا يمكن توقع ما وراءه، ولعلي أطرح هنا بعض الاعتبارات الداعمة لما نقوله حول احتمالات المواجهة التي بدأت بوادرها تطل على ميادين القتال ومواقع إطلاق الصواريخ في عمليات مخيفة يلوح فيها بعض الأطراف باستخدام السلاح النووي دون حسابات دقيقة أو مراعاة لمستقبل البشرية. وهذه النقاط يمكن إيجازها فيما يلي:
أولاً: لم يواجه العالم الإسلامي حالاً من التضييق السياسي والإعلامي، فضلاً عن العسكري أكثر مما يواجه حالياً، فإذا كان اليهود يتحدثون صباح مساء عن العداء للسامية فإننا نذكر الجميع بظاهرة “الإسلاموفوبيا” التي يروج لها الغرب لتصبح خنجراً طاعناً في قلب الإسلام الذي يدعو إلى التسامح ويعترف بالآخر ويقبل التعايش المشترك مع أبناء الجنس البشري من دون تفرقة بسبب دين أو لغة أو جنس أو أصل. فالإسلام لا يعرف التشدد والتعصب ولا يقبل التطرف أو الغلواء، ولكنه يتعايش مع غيره من الأديان والثقافات، بل والحضارات الأخرى على نحو يدعو إلى ضرورة الفهم الصحيح لفلسفة ذلك الدين تجاه قضايا التحرر الوطني والعدالة الإنسانية والشرعية الدولية.
ثانياً: إن المؤيدين للحقوق العربية والإسلامية من غير المسلمين يفوق عددهم أولئك الذين يعارضون هذه الحقوق ويرفضون الفهم الصحيح لديانات السماء، إضافة إلى أننا يجب ألا ننسى طبيعة المواجهات التاريخية التي عرفها الشرق أمام الغرب منذ حملات الفرنجة التي رفعت الصليب شعاراً تختفي وراءه أطماع الغزاة الذين وفدوا إلى المنطقة بدعوى حماية وصيانة التراث الصهيونية المسيحية في بيت المقدس، وندرك أيضاً بهذه المناسبة أن ذلك كان الإطلالة الأولى للاستعمار الغربي في المشرق العربي، وهي التي بدت إيذاناً بميلاد التعصب الديني واستخراج دعاوى زائفة لتبرير سطوة الغرب تحت أعلام المسيحية وشعارات الصليب، بينما المسيحية والإسلام كلاهما يبرأ من هذه الأفعال.
وهناك أعداد كبيرة من المسيحيين الغربيين يرفضون أن تتحول الشعارات الدينية إلى أدوات سياسية والأمر ذاته ينسحب على مئات الملايين من المسلمين الذين يدركون أن الديانات تتعانق في سماء البساطة والبعد من التعصب والغلواء والتطرف، ولقد لاحظنا في السنوات الأخيرة، خصوصاً منذ وصول الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى السلطة في الفترة الأولى، ثم عودته إليها بعد ذلك ما يعطي انطباعاً أن الرجل يحمل بعض التفسيرات الدينية لسياساته المتشددة، متناسياً أن البشرية بكل ألوانها وأطيافها تسبح في قارب واحد يرتبط بقضايا العدل والإخاء والمساواة في كل الظروف.
ثالثاً: إن قيام الجمهورية الإيرانية الإسلامية في فبراير (شباط) 1979 كان إيذاناً بميلاد نوعية خاصة من الاضطراب السياسي والخلط الديني، ذلك أن إيران قد بدأت تفكر بمنطق مختلف يقوم على تصدير الثورة وإحياء المشاعر الدينية والأخذ بدرجة كبرى من التطرف الذي لا مبرر له، ويكفي أن نتذكر حال المنطقة قبل قيام الثورة الإيرانية لكي ندرك أن الإسلام الحنيف براء منها وبعيد منها، فقد كان التعايش المشترك قائماً على رغم مظالم الغرب وسطوته على الشرق، وعبثه بالمقدسات واستيلائه على أرض فلسطين، ولكن الصراع في مجمله كان سياسياً بين الوطنية والعروبة في جانب وجنوح التطرف والتعصب في جانب آخر.
لقد ظل العرب مدركين لهذه الحقائق يعيشون بين مطرقة إسرائيل وسندان إيران بوعي كامل وإدراك سليم لدور هذه المنطقة التي يعيشون فيها تجاه قضايا العدل والسلام. وقد خاض العرب حروباً إقليمية عديدة من أجل إقرار حقوقهم، ولكن التطرف يصنع التطرف، فضلاً عن أن العنف يولد العنف، وقد كان مصير السياسات الغربية هو إذكاء التشدد الإيراني وحياء القومية الفارسية على حساب العروبة بل والإسلام أيضاً، فقد دفع العرب والمسلمون ثمناً غالياً لسياسات جديدة وآراء متطرفة ورؤى متشددة فارتفعت صيحات التطرف في الجانبين، وعادت البشرية للعصور الظلامية التي تدفع الجميع نحو العداء المتبادل والكراهية الموروثة من عصور التعصب وفترات المواجهة بين الشرق العربي الإسلامي والغرب الأوروبي المسيحي الذي يجمع بين التشدد والتطرف في آنٍ واحدٍ.
إننا نقول صراحة إن المواجهة بين إيران وإسرائيل اختبار صعب للمسلمين والعرب، وهي مواجهة يبدو أنها وشيكة، وفي كل الأحوال فإن العرب هم أكبر الخاسرين للأسف، لأن الذين خرجوا من الحرب على غزة، والتي لا تزال آثارها قائمة سيدفعون ثمناً آخر للحرب المنتظرة والمواجهات الدامية. فالحرب بين إيران وإسرائيل تقتضي التدخل السافر من الولايات المتحدة الأميركية دعماً لحليفتها المدللة في المنطقة وأعني بها إسرائيل، وتعني بالضرورة جر دول الجوار إلى مواجهات كبيرة محتملة بحيث تدفع الأقطار العربية في غرب آسيا وشمال أفريقيا فاتورة باهظة لذلك الذي يحدث في ميادين القتال وساحات الحرب، بينما يعزف الرئيس الأميركي ترمب على أوتار ما يسميه سلام القوة وما يتوهمه أحياناً من إمكانات مطلقة في مواجهة الطرف الآخر لحرب لا تبقي ولا تذر، بل تقضي على الأخضر واليابس، وتعيد المنطقة إلى أصعب فترات التشدد وأقصى عصور التعصب، لذلك فإن العرب سيدفعون الثمن في كل الأحوال ما دامت الدولتان المتحاربتان إيران الفارسية وإسرائيل العبرية وهما تصطدمان فوق الأرض العربية.
* نقلا عن “اندبندنت عربية“



