(الحياة الاقتصادية في حلب عبر التاريخ) كتاب جديد للباحث والإعلامي محمد عزالدين النابلسي
(تاريخ تجارة حلب)

سوسن محمد كامل
نظراً إلى الأهمية الاقتصادية والتاريخية التي انفردت بها مدينة حلب، صدر كتاب (تاريخ تجارة حلب ـ توثيق متكامل للحياة التجارية في حلب عبر التاريخ) (2022م)، للباحث والإعلامي محمد عزالدين النابلسي، رصد فيه المسيرة التاريخية لمدينة حلب كعاصمة للتجارة والصناعة في الوطن العربي وأوروبا.
جاء الكتاب في (151) من القطع الكبير وبطبعة أنيقة، حيث ضم بين دفتيه مجموعة مقالات لمؤرخين وباحثين، تناولوا فيها تاريخ حلب الاقتصادي، والدور الكبير الذي اضطلعت به على صعيدي التجارة المحلية والدولية عبر التاريخ.كما احتوى الكتاب على صور ووثائق تاريخية لمعاهدات واتفاقيات تجارية، أبرمتها حلب مع دول المنطقة والعالم، انطلاقاً من مركزها التجاري والاقتصادي المهم،كما ضم الكتاب فهرس المقالات، والمصادر.
قدم للكتاب الباحث والأديب محمد قجة، حيث أكد في تقديمه أن تاريخ مدينة حلب يعود إلى الألف الثاني عشر قبل الميلاد، وأن المدينة عرفت أكثر من ثلاثين حضارة منها؛ السومرية، والآكادية، والعمورية…. وصولاً إلى الحضارة العربية الإسلامية، وأرجع الباحث قجة أهمية حلب إلى عوامل كثيرة منها؛ موقعها الجغرافي في مفترق طرق محورية بين نهر الفرات والبحر الأبيض المتوسط، وكذلك لخصب أراضيها، وتعاقب دول وحضارات مختلفة، ما جعل منها مدينة(كوسموبوليتية) بامتياز.
ويذكر معد هذا الكتاب مدى الجهد والعمل، الذي بذله في إعداد هذا المؤلف، فيقول ( وللحقيقة أعترف أنني تخوفت بداية من الدخول بهذا المشروع، لكن عقدت العزم على بذل الجهد في جمع الكتب والوثائق، والمعلومات والصور التاريخية والمقالات عن تاريخ التجارة في حلب، لرفد المكتبة العربية بمعين تاريخي اقتصادي عن حاضرة من الحواضر العربية الإسلامية).
يذكر أن اسم حلب ورد في رُقم (إيبلا ) باسم “أرمان”، كما ورد اسمها “حلبا” في رُقم ماري (1750 قبل الميلاد)، وتعني كلمة حلب في اللغة العمورية (أرض الحديد والنحاس)، وفي اللغة الاّرامية تم تحوير الاسم من (حلبا إلى حلب) اسمها الحالي نسبة إلى بياض حجارتها، ويميل بعض العلماء إلى أن استيطان مدينة حلب يعود إلى أكثر من (10000) سنة مضت، وقد عاصرت مدن؛ نينوى، وبابل، وممفيس، وماري، وأوغاريت، وأور، وأفاميا، واندثرت تلك المدن، وبقيت حلب تجري فيها دماء الحياة. ولعل الرسالة (المخطوطة) بالخط المسماري الاّكادي، التي اكتشفت في ماري وتعود إلى أوائل الألف الثاني قبل الميلاد بين “سامتار” مندوب “زمري لين ” ملك ماري، وبين “يارليم لين ” ملك مملكة يمحاض وعاصمتها حلب….. وموضوعها إرسال القمح الحلبي إلى مملكة ماري، التي تمر بأزمة نتيجة الحروب التي كانت تخوضها، ما يؤكد الدور الاقتصادي التي لعبته مدينة حلب منذ الألف الثاني قبل الميلاد. ثم يأتي الكتاب على ذكر أسواق المدينة وتعدادها، وكيف أنها انطلقت من جوانب الجامع الكبير ” وفق المنظور الإسلامي لتخطيط المدن”، وتمددت كشريان اقتصادي مهم، وكذلك الخانات التي كانت مراكز “تسوق” كما تسمى في العصر الحالي. كما تحدث الكتاب عن أبواب مدينة حلب بتوسع وبتأريخ موثق وصور واضحة.
ويأتي الكتاب على ذكر مؤرخي حلب، ومنهم ابن العديم المولود في سنة (588هجري) صاحب كتاب “بغية الطلب في تاريخ حلب”، حيث ذكر فيه أنشطة المدينة الاقتصادية في مجالات؛ الزراعة، والتجارة، والصناعة، ولكن باختصار على عكس ما قام به ابن عساكر في “تاريخ دمشق”. ويؤكد الكتاب أن حلب تشكل المركز الاقتصادي العالمي، الذي يربط قارات العالم ببعضها، وكذلك الطريق البري الذي تمر به تجارة الحرير والتوابل والمنسوجات، ففي العام (1200 ميلادي)، تم عقد اتفاقية تجارية مع البندقية وتجددت هذه الاتفاقية ، لتشمل كلاً من إسبانيا والبرتغال، على الرغم من الحروب الصليبية، التي كانت تدور رحاها في المنطقة اّنذاك. ويورد الكتاب أسماء الرحالة الأجانب الذين مروا على حلب وذكروها في مؤلفاتهم ، ومنهم الرحالة الأمريكي ماركوس الذي أصدر كتاب”تاريخ حلب”، وهنتر جاوبه الألماني، وجان سوفاجه الفرنسي، والأخوان راسل وكتابهما ” تاريخ حلب الطبيعي”، ويذكر الكتاب أن غرفة التجارة في حلب تأسست في العام (1885 ميلادي)، وهي ثاني غرفة تجارية في السلطنة العثمانية بعد غرفة تجارة إسطنبول، وأن أقدم بنك في حلب تأسس في العام (1893 ميلادي) تابع للبنك العثماني.

يعد هذا الكتاب سجلاً توثيقياً يجول به معدٍّه عبر التاريخ، موضحاً دور حلب التاريخي والاقتصادي، في جولة ممتعة موثقة بالصور والوثائق والمعلومات، المستقاة من مصادرها والمثبتة في اّخر الكتاب. وتبقى حلب مركزاً تجارياً واقتصادياً، عبر تاريخها الماضي والحاضر ، وبرغم كل ما مر عليها من حروب وزلازل، ظلت تنبض بالحياة، وتخرج من تحت الرماد وردة حلبية رائعة الجمال.



