سياسات وحروب عبثية

لبنان كان ولا يزال محكومًا بسياسات عبثية في واقع تراجيدي. ولا شيء يريح العاجزين عن الفعل في ممارسة السياسة الجدية أكثر من تكرار السياسات العبثية. وإذا كان ما يكمل خطورة السياسات العبثية هو الحروب العبثية، فإن الأخطر من العجز هو ادعاء القوة. وقمة العبثية هي الرهانات على حل مجاني على قياس الوطن الصغير يعيده إلى ما كان عليه قبل اتفاق القاهرة، والاجتياحات الإسرائيلية، والدخول العسكري السوري، وعملية طوفان الأقصى وحرب غزة ولبنان، وحرب “حزب الله” لإسناد غزة وإيران، والحرب الأميركية والإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية وأذرعها في المنطقة. فلا في الإمكان فك الارتباط الكامل بين الحل في لبنان وبين التأثر باللعبة الكبيرة في المنطقة. ولولا هذه الحروب وما فعلته بنا وما قادت إليه من احتلال إسرائيلي، لما غامرت الدولة بالذهاب إلى مفاوضات مباشرة أنتجت الإطار الثلاثي، ولما كنا في حاجة إلى ما يتجاوز اتفاق الهدنة للعام 1949 وفريق المراقبين الدوليين على طرفَي الحدود الدولية.
وكلما بدت أمامنا فرصة للحل ارتفعت أصوات تطالب بإخراج لبنان من صراع المحاور. وهذه دعوة عن حق، لكنها تبقى عبثية لأن “حزب الله” جزء من “محور المقاومة” الذي يقول وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إنه “يمثل أهم مكوّن لقوة الجمهورية الإسلامية، ونريد دعمه وتعزيزه والعمل على بناء شرعية دولية له”. فلا طهران، كما ظهر في الحرب والتفاوض مع أميركا، تقبل التخلي عن أذرعها في هذا المحور، ولا “حزب الله”، كبقية الأذرع الإيرانية، في وارد التراجع عن مهمة جرى تأسيسه من أجلها، وهي العمل للمشروع الإقليمي الإيراني ضمن الإيمان بولاية الفقيه، وبالتالي رفض أن يصبح لبنان والعراق وصنعاء وسواها خارج المحاور.
ثم ماذا عن تفاوض الدولة على الانسحاب الإسرائيلي واتفاق “إنهاء العداء”، أو حتى التوصل إلى سلام؟ أليس كل ذلك مربوطًا بسحب السلاح من “حزب الله” في كل لبنان وتدمير بنيته العسكرية والأمنية؟ وما دامت الدولة عاجزة عن سحب السلاح على الرغم من اتخاذ القرار الجريء في مجلس الوزراء، فما الذي تفعله في المفاوضات وانتظار مواعيدها على طريقة غودو؟ هل هو شيء آخر غير سياسات عبثية؟
لا أحد يتوقع من إيران وإسرائيل أي رحمة للبنان، حيث مارست تل أبيب جريمة تجريف الجنوب، وسجّلت طهران الكوارث التي نزلت بأهل الجنوب وكل لبنان في خانة “أضرار جانبية” على الطريق إلى تحقيق المشروع الإقليمي. والكل يعرف أن الفرصة الأميركية المفتوحة أمام لبنان هي من أجل الحاجة إلى موقعه مع مواقع سوريا والعراق واليمن في مشروع سلام ترامب للشرق الأوسط، وحرص القوى العربية والإقليمية والدولية على إخراج النفوذ الإيراني مع إنهاء المشروع الإقليمي للجمهورية الإسلامية، أكثر مما هي لمحبة ترامب له وصداقاته مع أثرياء أميركيين من أصل لبناني. وهذا ما يجعل واشنطن تمدّد الفرصة المفتوحة على الرغم من انتقادها للتردد الرسمي اللبناني في تنفيذ سحب السلاح الذي هو مفتاح الانتقال من الأزمة إلى الحل.
لكن المفتاح لن يعمل بالاتكال على قوى أو ظروف أخرى. فلا أحد يعطي البلد من عنده أوراق قوة في التفاوض على سبيل الإعارة. ولا ما يوصف به الرهان على شيء كهذا سوى أنه سياسة عبثية. وحتى لو أبقت أميركا الفرصة مفتوحة إلى نهاية ولاية ترامب، أو أقله إلى نفاد صبره أو تغيير ظروفه، فإن إيران مستمرة في العمل للحفاظ على سلاح “حزب الله” وتوسيع فرصته المعاكسة لفرصة لبنان. و”الديمقراطية يمكن أن تصبح حادثًا تاريخيًا” حسب جان فرنسوا ريفيل.
نقلاً عن “نداء الوطن”



