مقالات وآراء

الردع المكسور بين طهران وتل أبيب: أبعاد جيوسياسية وسرديات إعلامية

بقلم: سامي زغدان
باحث في الصحافة الدولية
أسقطت التطورات الميدانية المتلاحقة في الشرق الأوسط، وبصورة دراماتيكية، تلك الصيغة الكلاسيكية للصراع التي عرفناها لعقود تحت اسم “حرب الوكالة”.
وفي هذا المنعطف من عام 2026، لم نعد بحاجة لكثير من الجهد لنكتشف أن الترتيبات الأمنية القديمة تهاوت كلياً؛ مفسرةً الطريق أمام واقع مشحون ومختلف، انتقلت فيه المواجهة بين طهران وتل أبيب من كواليس حروب الظل والضربات المتبادلة في ساحات بديلة، لتتحول إلى صدام علني، مباشر، ومفتوح على كل الاحتمالات.
هذه الانعطافة الإستراتيجية الشرسة التي بدأت معالمها تتشكل بوضوح منذ الضربات الصاروخية المتبادلة في أبريل وأكتوبر من عام 2024، لم تكن مجرد جولة تصعيد عابرة في سماء الإقليم، بل كانت بمثابة إعلان رسمي عن تفكيك شيفرة الردع المتبادل.
ومن موقعنا في تفكيك آليات الصحافة الدولية، نجد أنفسنا ملزمين بقراءة هذا التحول عبر مسار تحليلي مركب؛ مسار لا يكتفي برصد حركة المسيّرات والصواريخ الباليستية على الأرض، بل ينبش في كواليس غرف التحرير العالمية وصناعة السرديات الموجهة، لمعرفة كيف تحول الحرف والصورة في وكالات الأنباء الدولية إلى سلاح إستراتيجي لا يقل ضراوة عن العتاد العسكري لإدارة المعركة وفرض النفوذ.
أولاً: كيف تغيرت خريطة النفوذ على الأرض وتهاوت قواعد الاشتباك؟
تاريخياً، تمحورت العقيدة العسكرية الإيرانية حول مفهوم “الدفاع المتقدم”، وهو ما يعني عملياً نقل ساحة المعركة خارج الحدود واستخدام شبكة الحلفاء الإقليميين كحائط صد يمنع أي استهداف مباشر لعمقها الوطني.
غير أن مجريات الصراع الراهن كشفت عن تصدعات عميقة في هذا الجدار؛ إذ إن الفجوة التكنولوجية والاختراقات الاستخباراتية الإسرائيلية المتكئة على إسناد أميركي بلا قيود، نجحت في نقل كلفة الحرب وثمنها الباهظ إلى الداخل الإيراني نفسه، واضعةً هيبة الأمن القومي في قلب طهران على المحك.
وفي المقابل، تبخرت تلك “الحصانة المطلقة” التي طالما تباهت بها إسرائيل وجعلتها الركيزة الأساسية لردعها الخارجي.
فالصواريخ التي شقت الأجواء منطلقة من جغرافيا إيرانية خالصة، سحبت بساط الاحتكار الجوي، ووضعت الجبهة الداخلية والمدن الإسرائيلية تحت ضغط استنزاف نفسي وعسكري مباشر.
هذا الشرخ في جدار الردع المتبادل دفع الطرفين رغماً عنهما للبحث عن خطوط توازن جديدة امتدت لتهدد ممرات الطاقة والملاحة الدولية في مضيق هرمز والبحر الأحمر.
وما يفهمه الفاعلون في الإقليم الآن هو أن أي هدنة مؤقتة ليست سوى التقاط أنفاس، فالمعادلة باتت صفرية، وكل طرف يصيغ أمنه بناءً على تصفية قدرات الآخر.
ثانياً: شاشات الحرب.. فخاخ “التأطير الانتقائي” في الصحافة العالمية
بالتوازي مع دوي الانفجارات في الميدان، كانت هناك حرب ضروس تدار بصمت خلف شاشات الحواسب في غرف التحرير العالمية، حيث جرى توظيف المنصات الإخبارية الكبرى لإعادة تشكيل وعي الجمهور الإنساني. وفي هذا السياق، يمكن رصد انقسام حاد في التغطية الدولية بين تيارين:
    • التأطير الغربي والإسرائيلي: انحازت جل الشبكات والصحف الغربية العريقة لرواية موحدة تتمحور حول “حق إسرائيل الأخلاقي في الدفاع عن وجودها”. وجرى حشو التقارير بمصطلحات عسكرية ممسوحة تسوق الضربات على أنها خطوات جراحية مدروسة لإعادة الاستقرار، مع تعمد القفز فوق الأثمان الإنسانية الكارثية، والحصار البحري، وتدمير البنى التحتية في مناطق النفوذ.
    • الرواية الإيرانية وسردية المقاومة: على المقلب الآخر، استثمرت الآلة الإعلامية لطهران في أدبيات “المظلومية التاريخية والمقاومة المشروعة”. وركزت الخطابات الموجهة على تصوير الهجمات الإيرانية كفعل بطولي يكسر غطرسة الخصوم. وهدف هذا التأطير بوضوح إلى بث رسائل طمأنينة للداخل، مع استخدام التهديد بإغلاق الممرات المائية واستهداف أسواق النفط كأوراق ضغط سياسية لفرض شروط اللعبة.

إن قراءة نقدية بسيطة لهذه التغطيات تفضح آلية “التأطير الانتقائي”، حيث يجري قص ولصق الحقائق بما يطابق أهواء غرف العمليات العسكرية، مما حول الصحافة العالمية في كثير من الأحيان من جهة ناقلة للحقيقة إلى أداة بروباغندا تحجب عن المتلقي الرواية المتوازنة والمحايدة.
ثالثاً: القوى العظمى وسيناريوهات التدويل الدبلوماسي
لم تكن هذه التطورات المشتعلة بين طهران وتل أبيب لتحدث في معزل عن حسابات القوى الكبرى التي تعيد رسم توازنات عالم متعدد الأقطاب. وهنا تحديداً، تقاطعت الأبعاد الجيوسياسية على الأرض مع السرديات الدبلوماسية الموجهة:
    • المحور الروسي-الصيني (البراغماتية الصامتة): وجد الكرملين في تشتيت الجهد الغربي نحو الشرق الأوسط متنفساً ميثاقياً يخفف عنه الضغوط في جبهات أخرى، مستنداً إلى تحالف عسكري وتكنولوجي دافئ مع طهران. وفي الوقت نفسه، فضلت بكين السير على حبل مشدود لحماية استثماراتها الضخمة ومبادرة “الحزام والطريق”، لضمان تدفق النفط الإيراني دون الاصطدام بشبكة علاقتها التقنية مع تل أبيب. إعلامياً، ركزت منصات هذا المحور على إبراز “عجز الدبلوماسية الأميركية”، وتصوير واشنطن كوقود يشعل النيران، لتقديم أنفسهم كبديل دولي يتسم بالعقلانية.
    • المحور الأميركي والغربي (إدارة حافة الهاوية): وقعت واشنطن في فخ الحسابات المعقدة؛ بين الالتزام العضوي بأمن إسرائيل والمساهمة المباشرة في صد الصواريخ، وبين الخشية من اندفاعة إسرائيلية غير محسوبة قد تشعل حرباً إقليمية شاملة تلتهم أسواق الطاقة وتجر القوات الأميركية لرمال متحركة جديدة. لذا، روجت وسائل الإعلام الغربية بكثافة لسردية “التحالف الدفاعي الدولي الموحد”، مستخدمةً مفردات مثل “المحور المزعزع للاستقرار” لتبرير العقوبات وخلق جبهة دولية لعزل الصادرات الإيرانية.

رابعاً: تسويق الحرب للداخل.. السلاح الأخير والإنقاذ السياسي
لا يمكن عزل المعارك الخارجية عن الحسابات الداخلية الضيقة للقادة على جانبي الصراع، حيث تحول الإعلام العسكري إلى طوق نجاة محلي:
    • في تل أبيب وواشنطن: وظفت الحكومات صور القصف الجوي والاستعراض العسكري كأوراق رابحة في صناديق الاقتراع والسياسة الداخلية، للتغطية على الإخفاقات الاستخباراتية السابقة، وتقديم جرعات من “الانتصار السريع” لشارع يعيش تحت وطأة الملاجئ والترقب.
    • في طهران: تحت ضغط تهاوي العملة المحلية، وقسوة العقوبات، والتململ الشعبي المكتوم، هربت الآلة الرسمية إلى الأمام برفع وتيرة خطاب “معركة الكرامة ضد الاستكبار”. وكان الهدف بوضوح هو دغدغة العواطف القومية وحشد الشارع خلف لواء السيادة لتأجيل الالتفات للأزمات المعيشية والبنيوية الخانقة.

تضعنا معطيات الواقع الراهن في الشرق الأوسط أمام قناعة راسخة: إن الإقليم دخل بالفعل مرحلة تاريخية جديدة بملامح مختلفة تماماً. وإذا كانت الصواريخ والتحالفات الإستراتيجية هي من يرسم خطوط الجغرافيا السياسية بالدم والنار، فإن الإعلام الدولي هو من يتولى صياغة وعي البشر بهذه الفوضى الممنهجة.
لذا، فإن المسؤولية المهنية الملقاة على عاتق الصحافة الدولية اليوم تتجاوز بكثير مجرد البث الحي لبيانات المتحدثين العسكريين أو الانجرار الأعمى خلف المشاهد الاستعراضية على منصات التواصل. إن الدور الحقيقي يكمن في تعرية الخطاب الدعائي للقوى المتصارعة، وتفكيك حساباتها الخفية، ووضع الكلفة الإنسانية الباهظة التي تدفعها شعوب المنطقة من حاضرها ومستقبلها في مقدمة المشهد، بعيداً عن صراع صفري يبدو أنه لا رابح فيه.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى