كيف نستعد لعالم لا يشبه الأمس؟

شهدت دول الخليج خلال نصف القرن الماضي تحولاً اقتصادياً واجتماعياً استثنائياً.. فمن مجتمعات محدودة الإمكانات، إلى دول حديثة تمتلك بنية تحتية متقدمة، ومؤسسات تعليمية وصحية واقتصادية ودبلوماسية، قادرة على المنافسة عالمياً..
وقد تحقق ذلك بفضل قيادات أدركت مبكراً أهمية الاستفادة من منجزات الحضارة الإنسانية، وتوظيف الموارد في خدمة التنمية والإنسان توظيفاً صحيحاً.. غير أن التحدي الحقيقي لم يعد متعلقاً بإنجازات الماضي، بل بالاستعداد لمستقبل يتشكل بسرعة نحو آفاق غير مسبوقة.. فما كان يستغرق عقوداً من الزمن، أصبح يحدث خلال سنوات، وبعضه خلال أشهر، بينما تنشغل بعض المجتمعات بخلافات الماضي.
العالم الذي ينتظر أبناءنا يختلف جذرياً عن العالم الذي عرفناه، الذكاء الاصطناعي، والتحولات الديموغرافية، وتغير طبيعة العمل، وصعود اقتصاد المعرفة، كلها عوامل تعيد رسم قواعد النجاح والفشل بين الأمم..
فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية، بل أصبح شريكاً في الإنتاج، واتخاذ القرار، وتحليل المعلومات، وكثير من الوظائف التقليدية ستتراجع، أو تتغير طبيعتها أو تختفى، بينما ستظهر وظائف جديدة تعتمد على الإبداع والتحليل وإدارة المعرفة، لذلك، فإن التعلم المستمر لم يعد خياراً، بل ضرورة، فالمهارة الأهم في العقود المقبلة ليست ما يعرفه الإنسان اليوم، بل قدرته على اكتساب معرفة جديدة غداً.
كما أن سوق العمل يتجه تدريجياً نحو اقتصاد المعرفة والابتكار، إلى تقدير الكفاءة والمهارة أكثر من الشهادات وحدها، وأصبحت القدرة على التفكير النقدي والعمل الجماعي واستخدام التكنولوجيا، عناصر أساسية في بناء المستقبل المهني للأفراد، ومن هنا تأتي أهمية تطوير التعليم من المجال النظري إلى العملي، ليصبح قادراً على إعداد أجيال تتعامل مع التغيير المقبل، بدلاً من الخوف منه.
التغيرات الديموغرافية لها دور في الفرص المستقبلية، بعض المجتمعات تتجه نحو الشيخوخة، بينما تملك مجتمعات أخرى أغلبية شابة، والشباب يمكن أن يكونوا قوى دفع هائلة للتقدم.
في الوقت نفسه، تملك المجتمعات الخليجية فرصة ثمينة، تتمثل في وفرة الموارد ونسبة الشباب المرتفعة، فهذه الطاقة المادية والبشرية، يمكن أن تكون محركاً للتقدم، إذا وجدت التعليم الجيد والتدريب المناسب والبيئة التي تشجع المبادرة والابتكار، وقد أثبتت تجارب دول عديدة، أن الثروة الحقيقية لا تكمن في ما يوجد تحت الأرض، بل في ما يوجد في عقول البشر.
قد لا يكون التحدي الأكبر في التكنولوجيا نفسها، بل في التكاسل عن رؤية المستقبل، والاستعداد له بالجدية الكافية، فكثير من المجتمعات تتعامل مع التحولات الكبرى بعد وقوعها لا قبلها، وهذا التردد أو الاطمئنان المفرط إلى نجاحات الماضي، قد يتحول إلى عقبة سياسية واقتصادية وثقافية تعيق التقدم، فالمستقبل لا يفاجئ من يراقبه، ويستعد له، بل يفاجئ من يعتقد أن ما نجح بالأمس سيكفي للغد.
ومن هنا، تبرز أهمية اختيار القيادات في كل المجالات الكفؤة والقادرة على قراءة المتغيرات المقبلة، ويكون المعيار لا بسبب من يكون، ولكن بسبب ما يعرف، قيادات لا تكتفي بإدارة الواقع القائم. بل للتخطيط للمستقبل، فالقيادة الناجحة ليست فقط من تحل مشكلات اليوم، بل من ترى تحديات الغد، وتضع لها الحلول قبل أن تصل.
وفي عالم يتغير بهذه السرعة، تصبح الرؤية بعيدة المدى، والقدرة على اتخاذ القرار، والاستثمار في الإنسان، عوامل لا تقل أهمية عن الموارد والثروات، لقد نجحت دول الخليج في بناء حاضر أفضل خلال العقود الماضية، أما التحدي المقبل، فهو بناء مستقبل أكثر قدرة على المنافسة والاستمرار، ولن يتحقق ذلك إلا بمجتمعات تتعلم باستمرار، ومؤسسات تتجدد، وقيادات تنظر إلى ما وراء الأفق، فالأمم لا تخسر حين تفتقر إلى الموارد، بل حين تتأخر في الاستعداد للمستقبل.
نقلاً عن “البيان”



