العرب والحرب.. وإيران

الشيخوخة السياسية هي واحدة من أسوأ العثرات التي كانت تواجه الأمم عبر التاريخ، عندما تعجز المنظومة السياسية عن إحداث توازن في مصالح الشعب على قاعدة الممكنات، والانصراف عن تبني الصعب أو المستحيل منه في المنظور القريب، فالفكرة إذا لم تخدم البنية المجتمعية أعاقت مسارها وحاربتها ولعل كثيراً من الأمم انتصرت للفكرة وخسرت فغلبتها السطوة.
ما يميز دول الخليج العربي أنها نموذج إنساني فريد تجاوز عصره، وقطع مسافة مهمة في مساره، عندما اجتهدت الدولة وانتهى بها الأمر أنها غادرت فعلياً المسمى النظري ب “دول العالم الثالث” عندما انشغلت في تأسيس بنية تعليمية أكملت مسارها عبر بعثات تعليمية لمئات آلاف الطلبة خلال العقود الماضية، حققت عبرهم أدوات النهضة، وواكبت فيهم متطلبات العصر التقني، وبالتالي نجحت أمام جدلية وإغراء الفكرة التي تتزاحم كحالة عملية قادرة على رفع مستوى البلاد فأصبحت الدول الخليجية قبلة عالمية في مجالات تخصصية عديدة، ونقلة كونية في مجالات الاستثمار الآمن القابل للتوسع وبالتالي بات المواطن الخليجي عبر جواز سفره يتجاوز مواطني الدول العظمى في امتيازات كثيرة، خلف ظهره قيادة حكيمة تستند على رؤية صائبة استطاعت من خلالها أن تمنح سمة الأمان لبلدانها وشعوبها مما لا يتوفر في كبريات العواصم العالمية وأمامه مستقبل واعد غير محدود.
على نقيض ذلك هناك مواطنون من دول كثيرة يتسلقون أسوار المستحيل للهروب من بلدانهم التي قد تكون أكثر غنًى من بعض دول الخليج العربي، لكن المسألة في جوهر الفكرة، بين أن ترعى فيها شعبك، وبين أن تغرق الفكرة في المخيلة، عندها يكون الشعب عاجزاً عن الوصول الى الأدنى من الأدنى، يتكئ على الخوف طلباً لرغيف الخبز وهذا في جانب.
في جانب آخر ثمة عسكرة وصناعة رقمية في مجال القوة لكنها تنتج ضعفاً مهولاً على شاكلة بعض من خاضوا الحرب العالمية الثانية وما قبلها، فمن السهل الانشغال بصناعة السلاح والجيوش ثم صناعة الأعداء لكي تثبت قدرتك في ميدانهم، لكن المجتمعات التي تعيش هاجس الحرب لا تبدع في دنيا الحياة، ومن كان قوياً في سلاحه، لا يستطيع أن يفعل ذلك في ميدان العصر الحالي، فمسألة استعراضها ثم الغزو بها للآخرين وكسر ما أصبح متوافقاً عليه بالأعراف الدولية، والتي قد تنكسر فعلاً بشكل مؤقت، لكن السنوات الماضية كشفت بوضوح أن الذين يذهبون الى الحرب إنما يخربون بلادهم ولا يستطيعون بالضرورة تحقيق معادلات عسكرية قامت على منطق القوة.
بالتالي يمكن توصيف ما واجهته إيران أنها أرادت زراعة الصحراء لكنها استنفذت مياه الشرب من أفواه شعبها، حتى انتهى بها الأمر عالقة، خلفها نظام المحاور الذي هو مجرد عبء عليها، أمام حرب مخلفاتها غاية في الصعوبة على الشعب الإيراني، غير أن إيران تذهب نحو التصعيد غير المنطقي في كل قواعد الحروب، فهي تستهدف غير أنها تستهدف دول الجوار العربية وتقصف مناطق مدنية وأخرى حيوية داخل البلاد هي مخصصة لمعظم دول العالم في الشرق والغرب الذين يستفيدون منها، فما الذي تريده إيران من هذا الاعتداء بينما لا أحد في البيئة العربية كلها يفكر بتحويل إيران الى دولة معادية لأن هناك روابط الجغرافيا والجوار والمصالح وامتداد التاريخ، وليس غريباً أن يكون من ضحايا الضربات الإيرانية هم من إيران ذاتها التمسوا العيش والأمان في سنوات الحصار الذي تعيشه إيران خلال العقود الماضية.
تمتلك دول الخليج اليوم أحدث التقنيات في مجالات كثيرة، ومنها قدراتها في الدفاع عن نفسها وحماية أجوائها، ولكنها تمارس السياسة بأصولها بما يحافظ على مصالح شعبها الذين ترى أن من وظيفتها حمايتهم. على نقيض ذلك كانت تحالفات إيران تحمل من الخطأ ما ينعكس على واقعها، فالمليشيات التي دعمتها إيران عملت على امتصاص مستلزمات الشعب ذاته ولم تستطع تأمين الحماية لأصل الفكرة التي نشأت من أجلها، أمام واقع صعب لا أحد يتمناه لدولة جارة ولا لشعب جار امتدت معاناته لسنوات طويلة، وسيبقى أمامه طريق شاق في ترميم كلفة الحرب الحالية مستقبلاً.
لا تستطيع اليوم أي قوة عالمية فرض ما تريده من خلال عناصر القوة دون الوصول الى توافقات سياسية مرضية، ولا حتى إسرائيل يمكنها فعل ذلك، والتي سوف تبقى في بيت العزلة، لأن إسرائيل لا تزال تستند على منطق القوة الذي ساد في الماضي، لكن واقع اليوم مختلف.



