إسرائيل الكبرى

“السفير هو الممثل الأعلى لدولته لدى الدولة المعتمد لديها، ويتحدث باسم قيادتها السياسية وينقل مواقفها الرسمية”، هكذا حددت بدقة ووضوح تامٍ اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية مهام وواجبات السفراء الذين يفترض أنهم يدافعون عن بلادهم ومواقفها ومصالحها، ويتكلمون بلسانها وليس لسان الدولة المعتمدين لديها.
نضيف لذلك أنه يتعين على الدبلوماسي أن يكون واعيًا ومدركًا لعواقب كل كلمة تخرج من فمه، وأن يزنها بميزان حساس، تجنبًا لمصائب وبلايا ما أنزل الله بها من سلطان ستقع على رأس دولته من جرائها.
لكن مايك هاكابي، سفير الولايات المتحدة لدي إسرائيل، أعطى ظهره لكل ما سبق وتجاهله تمامًا، بتصريحات أقل ما توصف بها أنها عبثية ومتطرفة واستفزازية ومستهترة، وتمثل انتهاكًا مريعًا للأعراف الدبلوماسية والقانون الدولي. فماذا قال جنابه؟
باختصارٍ غير مخل، منح إسرائيل صكًا يبيح لها السيطرة الكاملة على الشرق الأوسط، استنادًا إلى نصوص دينية من العهد القديم، ووعد توراتي بتأسيس “إسرائيل الكبرى”، مؤكدًا أن سيطرتها تلك ستكون مقبولة. ولا ندري مقبولة من أي طرف؟ هل من جانبه شخصيًا، أم أمريكا، أم الغرب، أم ماذا بالضبط؟
الرجل لم يكتفِ بذلك، لكنه أمعن في إظهار تأييده غير المشروط وإيمانه المطلق بالسرديات الإسرائيلية، ومنها دفاعه المستميت عن قتل جيش الاحتلال الإسرائيلي للأطفال الفلسطينيين بحجة أن حركة حماس جندتهم في سن الرابعة عشرة من عمرهم، ومن ثم يجوز قتلهم والتنكيل بهم.
ولم يجد غضاضة ولا خجلًا من التغزل في الجيش الإسرائيلي وما فعله في حرب غزة، معتبرًا أنه كان يتصرف بمعايير أخلاقية عالية، وواصفًا إياه بأنه كان أكثر أخلاقًا من الجيش الأمريكي.
تخيل أنه يصف جيشًا مارس الإبادة الجماعية، وارتكب جرائم حرب يندي لها الجبين، وحول قطاع غزة إلى أكوام من التراب بالأخلاقي، بل ويعده أفضل من جيش بلاده أخلاقيًا!!
دعك من أن هاكابي، وهو يتحدث إلى الإعلامي الأمريكي المعروف تاكر كارلسون، بدا كمسئول إسرائيلي في حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية المتطرفة، وأنه انتهك بصورة فجة القواعد والأعراف الدبلوماسية المتعارف عليها عالميًا، وميثاق الأمم المتحدة، وأن ما صدر عنه يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن والسلم العالميين.
ضع ما سلف جانبًا، رغم أهميته الفائقة، لأنني أود التوقف عند نقاط جوهرية يبدو أن هاكابي، الحريص على إبداء إخلاصه وولائه الشديد لإسرائيل ومصالحها، لم يعرها اهتمامًا ولو للحظة. وأبدأ من نقطة المساس بسيادة دول المنطقة واستقلالها ووحدة أراضيها؛ إذ إن السفير الأمريكي في تل أبيب أخفى وطمس وجود ست دول ذات سيادة، لها تاريخها العريق لقرون خلت من قبل أن يظهر كيان اسمه إسرائيل للوجود.
فبصره لا يرى هذه الدول الست، ولا يرى أن القوانين الدولية تكفل لها الدفاع عن سيادتها وأرضها وحدودها المعترف بها من قبل المنظمات والهيئات الدولية. وليس هذا فحسب، بل إنه أيضًا يُشرعنُ الاحتلال الإسرائيلي ويمنحه مشروعية مطلقة لأن التوراة -بحسب طرحه- منحت تل أبيب الحق في التوسع ووضع يدها على ما تريده من أراضٍ تقيم عليها إسرائيل الكبرى.
ثم هل وضع هاكابي في حساباته وتقديراته أن دعوته ومباركته لسيطرة إسرائيل على الشرق الأوسط ستكون لها تداعياتها السلبية والخطيرة على علاقات البلدان العربية مع الولايات المتحدة من جهة، وعلى أمن واستقرار المنطقة بأسرها من جهة أخرى؟
الإجابة القاطعة: لا فلم يدر بخلده كل هذا، إذ لا يكترث إلا برضا إسرائيل التي أعطاها الحق في فعل ما ترغب فيه، في حين يفترض بالآخرين القبول بذلك دون اعتراض ولا رفض.
الأكثر فداحة أنه يتبنى موقفًا يخالف الموقف الأمريكي الرسمي المعلن من قبل إدارة دونالد ترامب، التي تشدد على رغبتها في إحلال السلام بالشرق الأوسط وإنهاء حرب غزة وإعادة إعمارها. وقد استضافت واشنطن في التاسع عشر من الشهر الحالي مؤتمر “مجلس السلام” لهذا الغرض؛ فالبيت الأبيض يتكلم عن السلام، بينما سفيره لدي تل أبيب يتحدث عن الخطط التوسعية الإسرائيلية، وأحقية إسرائيل في الاستيلاء على المنطقة.
إن ما قاله هاكابي يجب ألا يمر مرور الكرام، وقد كان رد الفعل المصري والعربي على تصريحاته قويًا ومحددًا، ومحذرًا واشنطن من خطورة اللعب بالنار من قبل سفيرها بتل أبيب. فالمنطقة ليست في حاجة إلى إشعال مزيد من الحرائق، ففيها ما يكفي، بل يلزم إخمادها قبل امتداد شرارتها لتطال الجميع دون استثناء.
نقلاً عن “الأهرام“



