مقالات وآراء

محمد حسن الشجاعى.. ضميرنا الإدارى الغائب

بقلم ـ محمد البرغوثى

لا أحد بإمكانه أن يتصور فداحة الخسائر المادية والمعنوية التى تسبب فيها وجود شخص ضعيف الكفاءة على رأس مؤسسة أو شركة أو معهد بحثى.

ولا توجد طريقة مضمونة لحساب المكاسب التى كانت ستعود على المجتمع كله لو تم إسناد مناصب الإدارة العليا لأناس أسوياء نفسياً وعقلياً، وعلى قدر من الجدارة يؤهلهم لإتاحة مناخ عمل سليم تنمو فيه الكفاءات وتزدهر المواهب دون خوف من اضطهاد أو تكدير.

ورغم صعوبة حساب الخسائر أو المكاسب التى يتسبب فيها مناخ العمل، فى حالة فساده، أو حالة صلاحه، فإن خبرات الحياة تمنحنا دائماً نماذج للقياس عليها فى الحالين، وكلٌ منا لا بد أنه صادف الكثير من تجارب تدمير العشرات من الموهوبين فى أماكن عمل، لمجرد أنهم وقعوا تحت رحمة مديرين مجردين من الكفاءة.. ولكننا فى الوقت نفسه نستطيع دائماً أن نعثر على مواهب فذة تحققت وأضاءت الحياة بإنجازات مبهرة، لمجرد أن أصحابها صادفوا فى مقتبل حياتهم مديرين أسوياء، أتاحوا لهم مناخ عمل سليماً، ومنحوهم المساندة والدعم والرعاية والتوجيه الصائب.

وكتاب «مذكرات محمد رشدى» الذى صدر مؤخراً عن دار «ريشة للنشر والتوزيع»، للكاتب الكبير سعيد الشحات، يمنحنا -من جملة ما فيه من روائع- واحدة من أعظم وأنبل تجارب الإدارة فى تاريخنا الحديث: إنها تجربة الموسيقار محمد حسن الشجاعى الذى تولى الإشراف على «مراقبة الموسيقى والغناء» فى الإذاعة المصرية فى الفترة من 1951 حتى وفاته عام 1963، وخلال هذه الفترة تحول من مجرد مشرف أو مراقب أو مدير إلى «صمام أمان» وحارس عتيد على بوابة الذوق المصرى، فلم يسمح إطلاقاً لأى صوت خالٍ من الموهبة ولا لأى ملحن غير موهوب، بممارسة الغناء أو التلحين.

والأهم من ذلك أن جدارة هذا الرجل لم تكتف بالمنع فقط، ولكنها تجلت فى قدرته على التقاط المواهب ورعايتها وتوجيهها، وإتاحة المجال كاملاً أمام أصحابها للتحقق.

كان محمد رشدى قد تعرض لحادث أليم عام 1959، عندما انقلب به -مع عدد من زملائه- الأوتوبيس أثناء عودتهم من إقامة حفل غنائى فى السويس، وأفاق «رشدى» على نفسه فى المستشفى ليعرف أنه مهدد ببتر ساقيه، ويفجعه حجم التشوه الذى تركته الإصابة فى وجهه، وخضع «رشدى» لجراحة تجميل دقيقة فى وجهه وعلاج طويل لكسور ساقيه حتى تماثل للشفاء بعد عامين كاملين، وخلال هذه الفترة عصفت به أسئلة المصير، وواجه نفسه بكل ما فيها من نواقص، وكان أهم درس يتردد صداه فى أعماقه هو الدرس الذى لقنه إياه الموسيقار القدير محمد حسن الشجاعى.

ويعترف محمد رشدى فى مذكراته أنه كان قبل الحادث غارقاً فى تقليد الفنان محمد عبدالمطلب، ليس فقط فى طريقة الأداء، ولكن أيضاً فى عنجهيته واعتداده الشديد بنفسه، وذات يوم من عام 1953 كان «رشدى» فى الإذاعة ضيفاً على المذيعة آمال فهمى، وبعد أن غنى أغنية «مأذون البلد» إذا بمحمد حسن الشجاعى يطلبه ويكلمه بغيظ شديد: «شوف يا ابنى.. أنا بقّال عنده صنف جبنة اسمه عبدالوهاب.. وصنف تانى اسمه أم كلثوم.. وصنف اسمه عبدالمطلب، ولو بِعتْ صنفين عبدالمطلب يبقى باتاجر فى الخسارة.. إذا كنت عايز تبقى محمد رشدى هاقف جنبك.. وبعدين بَطَّل تتأفف وتتنك زى عبدالمطلب كده»!.

ولكن «رشدى» لم يستوعب الدرس جيداً، وظل لسنوات طويلة تائهاً ومأخوذاً فى مسارب عديدة لم يعثر فيها أبداً على طريقة أداء لا يشبه أحداً فيها غير نفسه، وبعد عامين كاملين من الحادث الأليم جاءته الفرصة مرة أخرى وعلى يد نفس الرجل الذى لقنه درساً قاسياً.

يتذكر «رشدى»: «طلبنى حسن الشجاعى فى الإذاعة.. ذهبت وأنا على عكازين.. قال لى: أسندنا إخراج ملحمة أدهم الشرقاوى إلى يوسف الحطاب.. ورشحتك لغناء الموال من بين أسماء كثيرة.. أنا مراهن عليك ودى فرصتك الكبيرة.. لو ضاعت منك انسى تشوف فرصة زيها تانى».

ولم يترك «الشجاعى» رشدى، إلا بعد أن وضعه فى السياق العام لملحمة أدهم الشرقاوى: «إحنا مش هنقدم أدهم فى الإذاعة صدفة.. ولا هى عمل درامى بنملا به خريطة الإذاعة.. الموضوع مقصود وله أهداف كبيرة وبعيدة.. قصدنا يا محمد تقديم أعمال درامية عن السير الشعبية لبطولات فى تاريخنا.. محتاجين نعمّق البطولة عند المصريين.. معنى كلامى يا محمد إن نجاحك هيبقى نقلة كبيرة لأنه هيبقى من خلال عمل بيخاطب المصريين من خلال تاريخهم.. إوعى الفرصة تفوتك.. انت فى تحدى كبير وعندى ثقة فيك»، ويؤكد «رشدى»: «كلام الشجاعى دخل عقلى ولم يخرج منه أبداً».

ولأن سعيد الشحات محقق بارع ولديه ولع شديد بالتوثيق، فلم يفته أبداً أن ينطلق من هذا الدور الذى لعبه «الشجاعى» فى حياة «رشدى»، بحثاً عن أدواره الأخرى مع غيره من المطربين والملحنين، فإذا بنا أمام ملحمة إنسانية وإدارية مبهرة، ملحمة تستحق كتاباً كاملاً عن هذا الرجل العظيم الذى لم يكن مؤلفاً موسيقياً وقائد أوركسترا كبيراً وموهوباً فقط، ولكنه كذلك -أو بسبب ذلك- كان حاضنة مواهب عملاقة أتاحت للوجدان الموسيقى والغنائى المصرى ثراء إبداعياً مدهشاً، وتراثاً فنياً فياضاً، ما زلنا -وسوف نظل لعقود طويلة- نعيش عليه ونلوذ بجماله الفاتن كلما حاصرتنا الأصوات والألحان القبيحة والغثة التى لوّثت فضاءنا الفنى بعد رحيله.

وها نحن -مع كتاب سعيد الشحات- أمام رجل عادى جداً، وُلد عام 1903 فى أسرة فقيرة من إحدى قرى كفر الزيات، ومات والداه وهو طفل، فعاش طفولته وصباه فى ملجأ أيتام تعلم فيه القراءة والكتابة والموسيقى أيضاً، ثم التحق بفرقة الموسيقى العسكرية فى الجيش وانتقل منها إلى فرقة موسيقى الحرس الملكى فى عهد السلطان حسين كامل، ثم تركها ليقود الفرق الموسيقية الخاصة التى كانت منتشرة فى مصر، وفى عام 1951 تم استدعاؤه للإشراف على مراقبة الموسيقى والغناء فى الإذاعة المصرية، فأنشأ فرقتين موسيقيتين، الأولى هى الفرقة الشرقية والثانية هى «أوركسترا الإذاعة» التى تحولت بعد ذلك إلى «أوركسترا القاهرة السيمفونى»، ويعود سعيد الشحات إلى كتاب فرج العنترى عن «عبدالحليم حافظ»، وإلى كتاب أيمن الحكيم عن بليغ حمدى، ليوثق الدور الكبير الذى لعبه محمد حسن الشجاعى والذى وصفه محمد رشدى عن حق بقوله: «حمل هذا الرجل على عاتقه مهمة توجيه جيلنا كله: أنا وعبدالحليم حافظ وبليغ حمدى وكمال الطويل ومحمد الموجى وآخرين».

ومهمة التوجيه تتجلى ببراعة شديدة فى حكاية حسن الشجاعى مع الملحن العبقرى بليغ حمدى الذى طرق باب الإذاعة ليؤدى الامتحان فى الغناء والموسيقى.. وهو يقول: «كان صاحب القرار وقتها الأستاذ الكبير صاحب الفضل العظيم على الموسيقى العربية، المرحوم محمد حسن الشجاعى، الذى أُعجب بصوتى ووافق على قبولى كمغنٍ، ولكنى كنت أريده أن يصنفنى كملحن، فرفض ذلك بإصرار شديد.. ورفضت أنا مواصلة الغناء فى الإذاعة.. ومرت السنوات وكنت خلالها قد أخذتُ طريقى فى عالم التلحين مع شركات التسجيل والمطربين، وفى نفس الوقت أتابع الدراسة الموسيقية، وذات يوم رجعت إلى البيت لأجد الأستاذ الشجاعى اتصل بى تليفونياً ويريدنى أن أذهب إليه فى الإذاعة، وذهبتُ إليه وأحسن استقبالى.. وقال لى: أنا سمعت ألحانك وأعجبت بها.. شوف يا ابنى.. أنا كنت حاسس بموهبتك الموسيقية ولكنى لم أكن أريد أن أدفعك إلى الاحتراف إلا بعد أن أتأكد من أنك درست الموسيقى دراسة حقيقية.. أنا مش ناقص جهل، المرحلة المقبلة مرحلة علم، الموهبة مهمة جداً لكنها من غير علم تظل ناقصة.. المستقبل للملحن الموهوب الذى يعرف أن يقرأ النوتة على الأقل ويعرف إيه هى الموسيقى، وأنا عندما تأكدت من أنك أصبحت تملك المعرفة بعثتُ فى طلبك، والآن تفضل، عَوَّض اللى فاتك ولحّن على كيفك».

أليس هذا الدرس مبهراً على كل المستويات؟.. وألا تشعرون معى بأننا فى أشد الاحتياج إلى كتيبة رجال يشبهون محمد حسن الشجاعى فى كفاءته وجدارته وإنسانيته، ينتشرون فى كل مواقع العمل والإبداع والبحث والإنتاج، ويعكفون على مراقبة الأداء بتجرد ونزاهة ويلتقطون المواهب ويبعثون فى طلبهم، ويمنحونهم الفرصة والمناخ والمساندة التى تكفل لهم التحقق، وتكفل لنا التقدم والرقى والثراء فى كل المجالات؟!.

يا إلهى.. كم من مواهب حقيقية فى هذا البلد، عانت وتعانى -فى صمت موجع- من وطأة وغلظة وجهل وانعدام ضمير آلاف المديرين الذين لم يفعلوا شيئاً غير تطهير مواقع عملهم من أى موهبة أو كفاءة؟!.. وأى روعة كانت فى انتظارنا لو كان لدينا فى كل موقع عمل إدارى فذ وصاحب ضمير وطنى مثل محمد حسن الشجاعى؟.

التعليقات مغلقة.

إغلاق
إغلاق