كيف تهدم مجتمعًا دون حرب؟!

قبل أيام التقيت بوزير التربية والتعليم والتعليم الفنى محمد عبداللطيف. أطلعنى الرجل على «النقلة» الشاملة التى تجرى فى التعليم ما قبل الجامعى. تطوير المناهج. الزيادة الهائلة فى نسبة الحضور فى المدارس. البكالوريا الجديدة. التحسن الكبير فى الحالة المادية للمدرسين. أبلغنى الوزير أنه عيّن مدرسين بمرتبات تصل إلى 15 ألف جنيه فى الشهر. طلب منى إنشاء مدراس تكنولوجية لتخريج عمالة مُدّربة تحتاجها بشدة المصانع والمشروعات الجديدة. خرجت من اللقاء بشعور إيجابى للغاية. بعد عقود من التخبط فى المسارات التعليمية وتكرار «التجريب» فى أبنائنا الطلاب، يبدو أننا نسير حاليا على الطريق الصحيح.
يقول أحمد شوقى: «بالعلم والمال يبنى الناس ملكهم.. لم يُبن مُلك على جهل وإقلال». ما قصده أمير الشعراء أن العلم السليم الإيجابى الناتج عن تعليم حضارى وعقلانى مواكب للعصر، هو الأساس لبناء الأمم ونهوضها. لكن التعليم السيئ، الذى يُلهى الناس عن تعلم شىء مفيد وعملى وفعّال، يخرب المجتمع ويُفسده. خبراء وعلماء سياسة بل ورجال مخابرات أكدوا ما قاله شوقى. فى عام 1960، طوّر عميل الاستخبارات السوفيتية المنشق، يورى بيزمينوف، نظرية «التخريب الأيديولوجى». يشرح بيزمينوف فى نظريته التى طورتها أجهزة مخابرات غربية، فى مقدمتها المخابرات المركزية الأمريكية، كيف يمكن إسقاط دولة وتفكيك مجتمع كامل دون إطلاق رصاصة واحدة.
يقول «الجاسوس» السوفيتى إن تفكيك المجتمع يستغرق مدة تتراوح بين 15 و20 عاما. لماذا تلك الفترة؟. لأن تعليم جيل واحد من الطلاب أو الأطفال، يستغرق هذا الوقت. التفكك يتم عن طريق الدين والتعليم. بالنسبة للدين، يتم تسطيحه واستبداله بأفكار شكلية وهامشية. تٌلهى الناس عن مقاصد الأديان الحقيقية. هذا يؤدى إلى تآكل بطىء لصلب العقيدة الدينية وابتعاد الناس عن الغرض الأسمى للدين. وهو استمرار العلاقة بين الخالق وعباده. يضيف بيزمينوف: «التعليم عنصر أساسى فى عمليات تفكيك الدولة. بدلا من تعليم حقيقى يفيد البلاد والعباد. يجرى صرف التلاميذ عن تعلُم الرياضيات والفيزياء واللغات الأجنبية والكيمياء. وبدلا من استنهاض القدرات الكامنة للعقل يتم حشو العقول بالتلفيق. مع التعليم مطلوب تعليم الأم من خلال تعليم الفتيات لكى تكون الحاضنة والتربوية للأسرة. فى المقابل، تزداد مناهج تعليم سطحية. باختصار، ترتفع جرعات تعليم المواد التى تبتعد عن ترسيخ العقلانية والمنطق والإيمان فى نفوس وعقول التلاميذ. يتحدث «الجاسوس» السوفيتى عن أمور أخرى لتفكيك المجتمع مثل زعزعة الاستقرار وإشعال النزاعات العرقية والطائفية والسياسية، ونشر معلومات مضللة تؤدى إلى فقدان الثقة فى المؤسسات وتضخيم النزاعات الصغيرة.
إلا أنه يركز كثيرا على التعليم باعتباره المصنع، الذى يبنى عقل الإنسان وقدرته على التحليل النقدى. للأسف، ما كان يحدث عندنا منذ سنوات هو إعادة هيكلة التعليم ليصبح وسيلة لتخريج مستهلكين وليس منتجين ومبتكرين. متجاهلين أصحاب الكفاءات والمهارات التى تحتاجها سوق العمل بشدة. لذا أتمنى أن تنجح التجربة التى يقودها حاليا وزير التعليم فى إعادة بناء الإنسان المصرى على أسس سليمة. أتمنى أيضا أن نعطى هذه التجربة فرصة. وألا يتم وقفها أو الانصراف عنها من خلال وزير جديد يركن ما يقوم به الوزير الحالى على الرف. يبدأ تجربته الجديدة. آن للتعليم أن تكون له رؤية ثابتة بغض النظر عن «سيادة الوزير» الذى يطبقها.
نقلاً عن “المصري اليوم”



