مقالات وآراء

الصين ودبلوماسية التوازن

فهد المضحكي

تبنّت الصين نهجًا يمكن وصفه بالمرن إزاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية مند اندلاعها في 28 فبراير 2026، وما ارتبط بها من تداعيات. وقد ظهر ذلك في بيانات وزارة الخارجية الصينية في الشهرين الماضيين، والتي دعت فيها إلى وقف التصعيد، مؤكدة أن الحرب لا تخدم مصالح أي طرف. كما عززت بكين تحركاتها الدبلوماسية عبر إرسال مبعوثها الخاص لشؤون الشرق الأوسط، تشاي جون إلى المنطقة.

ونقلًا عن جريدة «hesprees» الإلكترونية، تشير تقديرات مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المستقبلية، إلى أن موقف الصين لم يكن ارتجاليًا، بل نتاج مجموعة محددات تحكم السياسة الخارجية الصينية، وفي مقدمتها، تمسك بكين بأولوية الحلول السياسية، وهو توجه يتجاوز كونه خطابًا دبلوماسيًا ليصبح قاعدة عمل ثابتة، خاصة في الأزمات البعيدة عن المجال الجوي الصيني، حيث ركزت التحذيرات الصينية على كلفة الحرب، مع الإشارة إلى سيناريو أغلاق مضيق هرمز وما قد يترتب عليه من اضطراب واسع في أسواق الطاقة.

بعبارة أخرى، يتضح من هذه التقديرات، تستند السياسة الخارجية الصينية إلى مبدأ الحلول الدبلوماسية، ورفض اللجوء إلى العمل العسكري، لمعالجة الأزمات الإقليمية. وفي هذا الإطار، أدانت بكين العمليات العسكرية في المنطقة، محذرة من تداعياتها الإنسانية والاقتصادية، ولاسيما ما قد يترتب على إغلاق مضيق هرمز من تأثيرات على أسواق النفط العالمية، كما شددت، وفقًا لبيانات وزارة خارجيتها، على ضرورة الوقف الفوري للعمليات العسكرية، ومنع رقعة اتساع الصراع، والدعوة إلى العودة للمسار الدبلوماسي عبر الحوار والتفاوض، بما يحافظ على سيادة الدول ويضع حدًا للحرب.

وثاني المحددات التي يرتكز عليها موقف الصين تجاه الحرب في الخليج، أمن الطاقة، ويعني ذلك، يمثل ضمان استمرار تدفق النفط دون انقطاع، خاصة عبر مضيق هرمز، إحدى أولويات السياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط، حيث تُعد الصين مُستورد للنفط الإيراني، إذ تستورد الغالبية العظمى من صادرات إيران المنقولة بحرًا بأسعار مُخفضة للغاية، ويأتي نحو 13% من النفط الخام الصيني الذي يتم شحنه بحرًا من إيران. ومع ذلك، لا يمثل الخطر الرئيسي بالنسبة لبكين في احتمال فقدان النفط الإيراني بقدر ما يكمن في ارتفاع أسعار النفط العالمية وما يترتب عليه من آثار سلبية على الاقتصاد الصيني. كما أن ظروف الحرب تُلقي بتداعياتها على خطوط الشحن عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو نصف واردات الصين النفطية القادمة من دول الخليج، فضلًا عن الضغوط التصاعدية على أسعار النفط العالمية.

ويكمن المحدد الثالث، في قوة العلاقة مع دول الخليج، بمعنى، ترتبط الصين بعلاقات استراتيجية قوية مع دول مجلس التعاون الخليجي على المستويات كافة، حيث إنها تُعد الشريك التجاري الأول لدول الخليج بحجم تبادل تجاري يصل إلى نحو 300 مليار دولار، وفق إحصائيات عام 2024.
وفي هذا السياق، أدانت بكين الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، داعية طهران إلى وقف الهجمات التي تستهدف الدول المجاورة.
وعلى صعيد العلاقات مع الولايات المتحدة، فإن بكين تسعى إلى الحفاظ على علاقات مستقرة مع واشنطن، وتحجيم أية توترات معها، خاصة في ظل الزيارة المرتقبة للرئيس دونالد ترامب إلى الصين في الأشهر القليلة القادمة. ومن هنا، حرصت الدبلوماسية الصينية على تبنى موقف متوازن إزاء الحرب الراهنة، يعتمد على مسارين، أولهما: تأكيد المبادئ التي تلتزم بها في تسوية الصراعات وعلى رأسها تفضيل الحلول الدبلوماسية، وثانيهما: تجنب اتخاذ موقف داعم لطهران بما يؤدي إلى توتر العلاقات مع واشنطن.
يعكس موقف الصين من الأزمة الراهنة في الشرق الأوسط مجموعة من الدلالات المرتبطة بطبيعة سياستها الخارجية، وكذلك بحسابات التنافس مع الولايات المتحدة. ومن بين هذه الدلالات التي تطرقت إليها هذه التقديرات، أولًا، الحياد البراغماتي للصين: ينطلق هذا الحياد من حسابات بكين لمصالحها في الشرق الأوسط، حيث ترتبط بمصالح اقتصادية مع إيران، تتمثل بشكل رئيسي في تأمين إمدادات النفط كما سبق الإشارة إليه، ومن ثم فإن التعاون الصيني مع طهران يتسم بطابع تكتيكي أكثر منه استراتيجي، إذ يتركز في مجالات الطاقة، ومشروعات البنية التحتية، مع حرص بكين في الوقت ذاته على عدم انتهاك العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران. وثانيًا، تجنب الانخراط العسكري: يعكس الموقف الصيني إزاء حرب إيران نمطًا سائدًا في التفكير الاستراتيجي لبكين يقوم على تفضيل الحلول الدبلوماسية ورفض استخدام القوة في إدارة النزاعات الدولية، ما يجعلها تتجنب الانخراط العسكري المباشر في مناطق بعيدة عن محيطها الجغرافي. وفي هذا الإطار، تميل الصين إلى تجنب نشر قواتها العسكرية في أقاليم تشهد مستويات مرتفعة من عدم الاستقرار، مثل الشرق الأوسط، مفضلة التركيز على أدوات أخرى، وعلى رأسها تقديم الدعم الدبلوماسي والاقتصادي لشركائها. وتعكس الحرب طبيعة الدور الذي تمارسه بكين في المنطقة، والذي تسعى من خلاله إلى الحفاظ على توازن علاقاتها الإقليمية والدولية. ثالثًا، تساؤلات حول موثوقية الشراكات الاستراتيجية: جددت حرب إيران النقاش حول طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه الصين في دعم شركائها الدوليين والإقليميين خلال الأزمات والصراعات الكبرى. وفي هذا الجانب، يشير البعض إلى محدودية الانخراط الصيني في أزمات تعرضت لها دول ترتبط معها بعلاقات وثيقة، مثل فنزويلا على إثر العملية العسكرية الأمريكية التي أسفرت عن اعتقال رئيسها السابق نيكولاس مادورو، وكذلك إيران خلال حرب 12 يومًا في يونيو 2025 أم الحرب التي شهدتها المنطقة مؤخرًا، وهو ما يعكس النهج الحذر الذي نتبعه بكين في إدارة علاقاتها الدولية.
قد تنطوي حرب إيران على العديد من التداعيات المحتملة بالنسبة للمصالح الاستراتيجية للصين، وكذلك بالنسبة للديناميكيات في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، ومن بينها، التأثير في أمن الطاقة للصين، والمقصود – قبل أن تنفذ إيران تهديداتها بغلق مضيق هرمز – من شأن هذه الحرب إحداث تأثيرات في أسواق الطاقة العالمية، الأمر الذي قد يؤثر في أمن الطاقة بالنسبة للصين، خاصة وأن الأخيرة تُعد أكبر مستورد للطاقة في العالم، ومن ثم فقد يؤدي تعطل الإمدادات النفطية الإيرانية إلى لجوء بكين إلى أسواق التداول الفوري العالمية بتكلفة أعلى، مع زيادة الاعتماد على تسوية المعاملات بالدولار الأمريكي. كما قد يؤدي إغلاق مضيق هرمز إلى عرقلة واردات الصين من بعض المواد الحيوية مثل الميثانول المستخدم على نطاق واسع في القطاع الصناعي.
ومع ذلك، يبدو بكين قادرة على التخفيف من الآثار قصيرة المدى لهذه الحرب، في ضوء نجاحها في تنويع مصادر وارداتها النفطية، وإمكانية زيادة الإمدادات النفطية القادمة من روسيا، فضلًا عن امتلاكها احتياطيًا نفطيًا استراتيجيًا يُقدّر بنحو 1.2 مليار برميل. ومن بين تلك التداعيات أيضًا، احتمالات تأثر علاقات بكين وواشنطن، وبوضوح تام، تعكس حرب إيران مجموعة من التأثيرات المحتملة في العلاقات الصينية الأمريكية، وبمسار التنافس الاستراتيجي بينهما في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. فعلى صعيد العلاقات بين بكين وواشنطن، فإن هذه الحرب قد تؤدي بالضرورة إلى زعزعة الاستقرار النسبي في علاقتهما الثنائية، حيث يظل كل منهما حريص على إدارة التنافس دون تصعيد مع الآخر، كما لا يرجح أن تؤثر الحرب في الزيارة المرتقبة للرئيس ترامب إلى بكين.
خلاصة تلك التقديرات، إن الصين تبنّت موقفًا يتسم بالحياد والبرغماتية إزاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، سعت من خلاله إلى تحقيق قدر من التوازن بين المحددات والركائز الحاكمة لسياستها الخارجية وعلاقاتها مع شركائها الاستراتيجيين، وبين التحوط للتداعيات المحتملة لهذه الحرب على مصالحها الاستراتيجية. ويشمل ذلك الحفاظ على مصالح بكين في الشرق الأوسط، ولاسيما المرتبطة بالطاقة والاستقرار الإقليمي، إلى جانب إدارة علاقاتها مع الولايات المتحدة بما يحدد من احتمالات التصعيد بينهما.

*نقلاً عن “الأيام”.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى