مقالات وآراء

تغريبة بني هلال.. لكلِّ زمانٍ دولةٌ ورجالُ

عبدالعليم حريص

ما أجمل الحكايات الشعبية، كنا صغارا وكان المذياع هو سلوة البسطاء والأغنياء ولما يبدأ برنامج السيرة الهلالية ويصدح جابر أبو حسين بإحدى روائع السيرة الهلالية لا تسمع سوى صيحات الرجال، وكأنهم يعايشون الحدث معه.

السيرة الهلالية هي الأكثر ذيوعا بين أقطار الوطن العربي تتجاوز المليون بيت من الشعر جمعها بعد ذلك الشاعر المصري: عبدالرحمن الأبنودي في 5 مجلدات، وأنت تسمع القصة تراودك الأفكار بأن أبطال هذه الحكايات من وحي الأساطير أو نتيجة كبت تعرض له شعب ما، فيصنعون شخصية أسطورية وينسجون حولها الحكايات. وما أجمل الجلسات حول مدفئة الشتاء والعمات أو الجدات تروي لنا قصصا وحكايات عن الغول وست الحسن والشاطر حسن ومصباح علاء الدين. ولكن حينما يمتزج الخيال بالحقيقة نرى شخصيات لاقت شهرة كبيرة مثل عنترة بن شداد، وأبي زيد الهلالي وأيضا صاحبنا دياب أو ذياب بن غانم الزغبي الأحمر، الذي جعلت منه السيرة الهلالية بطلا لا يغلب وأحيانا يتفوق على أبي زيد نفسه وفي كل المجتمعات العربية تروى السيرة الهلالية وبحسب البيئة ففي الشرق يعلو نجم أبي زيد الهلالي سلامة وفي الغرب يعلو نجم خليفة الزناتي فارس تونس، أما أهل الجنوب وأقصد هنا – صعيد مصر- فيعلو نجم دياب بن غانم فهم لا يرونه رمزا للخسة والانتهازية بل الفارس الذي يحمل بداخله حلم القيادة والهيمنة على نجوع بني هلال.

وكلنا يعرف المثل الشعبي “سكة أبو زيد كلها مسالك” نظرا لحيله وقدرته على التنكر، والتصرف مع أي موقف يوضع فيه بمنتهى الحكمة والحيطة، وظهر هذا جليا حينما تنكر في زيّ شاعر ربابة، وذهب إلى تونس بصحبة أولاد أخته الثلاثة: يحي ومرعي ويونس وليتعرف على قوة الزناتي خليفة التي سمعوا عنها كثيرا، ولما ضربت الرمل العرافة وقالت: بأن قاتل الزناتي هو دياب بن غانم لست أنت يا هلالي، خرج لنا المثل “كأنك يا أبو زيد ما غزيت”. هكذا مجدت الشعوب أبطالها ولم تتنكر لقوة خصمه مع الاحتفاظ بأنه العدو الذي نحاربه؛ ولكن من هو دياب بن غانم الذي سحب البساط من تحت ابي زيد الهلالي والزناتي خليفة.

تغريبة بني هلال

وحري بنا قبل تناول شخصية دياب أن نعرج صوب تغربية بني هلال وبنو هلال، أو الحلف الهلالي، قبائل من نجد مقاتلة تروي لنا السيرة الهلالية أن نسبهم يرجع إلى الجد الأكبر هلال الذي دافع عن النبي صلى الله عليه وسلم، في غزوة تبوك وسواء صحت هذه الرواية أم كانت من قبيل إضفاء المجد والشجاعة على أبطال السيرة الهلالية فهذا مرده لكتب السيرة النبوية، أما السيرة الهلالية فتروي أنه في أواخر القرن الخامس الهجري، نزحت من شبه الجزيرة العربية قبائل بني هلال إلى الأراضي المصرية، في عهد الدولة الفاطمية ولهجرتهم سببان: الأول حالة من الجدب وقلة نزول الأمطار، مما اضطرهم لذلك، وأخرى أن الدولة الفاطمية استعانت بهم على قبائل بربرية كانت تسكن المغرب العربي وخاصة تونس التي انشقت عن الخلافة الفاطمية مما اضطر الخليفة الفاطمي بمصر إلى الاستعانة بقبائل نجد والتي تصدت لها قبائل الزناتة والصنهاجة بأرض تونس – والتي كانت تسمى إفريقية- ، ولكن قبائل نجد لم تذكر هذا السبب في سيرتها فقد جعلت من هجرتها سببا وجيها يتلخص في أن هذه الأرض كانت ملكا للأمير عزيز الدين ابن الملك جبر القرشي الشريف، وقد استولى عليها الزناتي خليفة وأتباعه ((والذي يرجع نسبهم إلى اليمن )) بالحيلة فاستعان الأمير بأبناء عمومته من نجد لرد الحق السليب.

الشاهد أننا اليوم بصحبة دياب بن غانم الفارس الشاعر وهو أول من قال لكل زمان دولة ورجال في قوله:

يقول الفتى الزغبي ذياب بن غانم

تعال يا ذاك الزمان تعال

تعال يا ذاك الزمان بخيرك

ولكل عصر دول ورجال

هو على أصح الروايات دياب بن غانم بن موسى بن ثور بن زغبة بن أبي ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان.

وهو أيضا صاحب صاحب الفرس الغلباء الخضراء التي سميت بها مدينة تونس الخضراء – على إحدى الرويات – وأيضا دياب صاحب الحربة المشهورة والمقترنة باسمه في المثل : ( حربة دياب ما توطي إلا بلحم ) والمسماة سم ساعة والتي كان من ضحاياها : شيخ شمل بني هلال بن عامر الأمير: سلامة بن رزق بن نائل الرؤيبي العبدلي الهلالي المشهور بــ أبي زيد الهلالي. وأمير بوادي بني هلال الأمير:حسن بن سرحان. والزناتي خليفة. وكم نسجت حول حربته حكايات منها:

يحكى أن هناك رجلاً من أهل نجد جاء لذياب وقال له يقال إن حربتك لا تقع إلى على لحم فأريد أن أرى صحة هذا القول. فرمى دياب حربته فسقطت خلف تل فضحك الرجل وقال: حربتك ضاعت يا دياب، قال له دياب: اذهب خلف التل، فأذا رأيت حربتي لم تقع على لحم فاكسرها أو خذها لك، فأنا لا أريدها. فذهب الرجل إلى خلف التل، فوجد الحربة فوق لحم ضب.

وكان دياب جميل الوجه قوي الشكيمة تقلد إمارة الزغابة عن أبيه وكان يتحين الفرصة لينقض على ملك قبائل بني هلال بأسرها، ولكن أبا زيد الهلالي كان يفهم مطامعه جيدا لذا كان يسايره كي لا ينقلب عليه، وتسود التفرقة بين القبائل. لذا نراه يحايله دون أن يملكه غرضه، والحكايات التي نسجت حول بطولاته كثيرة لا تحصى حتى صار دياب رمزا للفروسية ولكنه كان أهوج بعض الشيء عن أبي زيد، الذي كان يعالج الأمور بدون تهور ويقدّر عدوه خلاف دياب الذي لم يكن يرى أن أحدا يستطيع منازلته وهو هو دياب بن غانم الفارس الشاعر بطل السيرة الهلالية وأن لولاه وأبناء عمومته بني زغبة ما تكمن بنو هلال من تحقيق أي نصر يذكر، حتى أنهم حينما توجهوا لملاقاة الزناتي قالوا نترك دوابنا وأراضينا الخضراء ولكننا نحتاج إلى ألف فارس لحمايتها أو نترك دياب بن غانم، وفعلا تركوا دياب لأنه بألف فارس، ولما احتدم القتال وحمى الوطيس طلبوا دياب ليعينهم على قتال الزناتي.

دياب بن غانم والأميرة سعدى

ولم يسلم دياب من الحب فقد أحب سعدى بنت خليفة الزناتي، وهي لم تكن لتحبه لأنه قتل أباها، ولأنها كانت تحب مرعي بن الأمير حسن الهلالي، والذي تعلق قلبها به في أثناء وجوده أسيرا عند أبيها الزناتي.

تقول الراوية أن خليفة الزناتي، كان فارسا لا يغلب طوال عمره وفي يوم من الأيام ذهب لملاقاة بني هلال فوجد دياب بن غانم ينتظره في ساحة القتال. فقال له: في كل نزال بيني وبينكم على مدار 14 عاما قاتلت فيها عرب بني هلال أو عرب بني زغبة وعرب بني زحلان أو بني دريد، كنت دائما أنا أول من يصل، فما حملك على المجيء قبلي يا ابن غانم..؟ فقال له دياب جئت أقتلك يا خليفة.. كما قال الرمل.

فقال له كذبت فعمري بيد الله ولو أني لم آت اليوم، ونمت في فراشي فماذا كنت ستفعل..؟ قال له: كان قدرك هو الذي سيأتي بك يا زناتي. فقال له الزناتي: نتواعد على أن لا تقاتلني حتى أنادي عليك باسمك فقبل دياب وغرس رمحه في الأرض.

وأخذ الزناتي خليفة يقتل في بني زغبة فلما أحس أن لا أحدا يقف أمامه نسى وعده لدياب وقال أين أميركم ينازلني..؟

هنا برز له دياب وقال له: أريت يا زناتي ها أنت تطلبني باسمي، أنا أميرهم. فقال له الزناتي وكم مثلك أنا يتمت أطفاله، فتعالى لأمحو ذكرك من على الدنيا في هذه الساحة، ودار بينهما قتال طويل، ويقال أن فرسة دياب كانت تطلب التزاوج وفرس الزناتي يجري خلفها أينما ذهبت تنبه دياب للأمر فجرى من ساحة المعركة وفرس الزناتي يتبعه هنا سدد دياب له رمية برمحه فنفذت إلى عينه وكان لحربة دياب خطافين فلما جرها دياب أمسكت بجمجمة الزناتي فجره دياب خلفه على الأرض، هنا تدخل الأمير أبو زيد معنفا دياب بأن الطعن في القتال وارد ولكن التمثيل سبة لن تمحو آثارها الأيام..

واحتضن الهلالي الزناتي وقل له سلامتك يا أبا القدر العالي؛ لأن الزناتي كان شريفا في قتاله لهم.

ولما رأت سعدى بين غبار المعركة أن أحدهم مسجى على الأرض توهمت أن أباها قتله فجرت لتأخذ فرسه غنيمة – كما جرت العادة- فلما اقتربت أدركت أن دياب هو المنتصر فصاحت على أبيها، هنا أخذها دياب غنيمة له وكان قد أحبها منذ أن سمع عنها من خلال حكايات أبي زيد ومرعي عنها.

فرفضت الزواج من قاتل أبيها فضيق عليها دياب بأشد ألوان التعذيب فلما بلغ الأمير حسن، والد مرعي أمر سعدى ذهب إليها وأخبرها بأنه سيزوجها مرعي؛ ولكن دياب كطبعه العنيد لم يرض، وتمسك بحقه فيها لأنه قتل أباها واستولى على أرضه، وملكه.

هنا أعمل أبو زيد الحلية وقال تقف سعدى على باب المدينة، ويتسابق الفرسان ومن يصل الأول يحظى بها – وقد كان -؛ وظفر دياب كعادته، ولما رأته أمامها قالت له: لعنك الله يا دياب، فطعنها دياب. هنا قالت كلمتها الشهيرة: عندما تكون المرأة محبوبة من رجلين، أحدهما ضعيف والآخر قاتل، عليها أن ترحل إلى مكان آخر.

وختاماً متى قال دياب لكل عصر دولة ورجال..؟

حكي أن أبو زيد الهلالي من شدة وجده وتهيامه بعالية بنت جابر العقيلي أصابه مرض شديد، أشارت عليهم الجازية الهلالية ((أخت الأمير حسن أمير قبائل الهلالية. وكانت لها ثلث المشورة في بني هلال لرجاحة عقلها))، بحمله داخل هودج أمه خضراء الشريفة الذي زفت فيه إلى رزق بن نايل والد أبي زيد.

فوقع الاختيار على دياب ومعه زيدان بن زيان ابن أخت أبي زيد. ولما وصلوا أرض العقيلي جاءهم محمود ابن عم عالية حبيبة أبي زيد – وهو لا يعرفهم – وطلب شراء الهودج فرضوا فقال في نفسه: حينما ينامون سأنقض أنا ورجالي ونسرقه، وبالفعل نام الرجلان، وجاء محمود وسرق الهودج وأهداه لابنة عمه عالية، التي يحبها ويتودد إليها دون أن يفتحه. فلما فتحته وجدت أبا زيد داخله.

على الجانب الأخر لما غلب على أمرهما في البحث عن الهودج رجع دياب لقومه وبقى زيدان يبحث عن خاله..

وبينما هو عائد، صحا حلمه القديم، وقد حان وقته؛ فقد هلك أبو زيد. ولا يوجد أحد يمكن أن يرجع دياب عما انتواه، وهو مُلك قبائل عرب بني هلال، وبالفعل جمع الزغابة، وشن الحرب على بني هلال والفعل استولى على الحكم بتنازل الأمير حسن، لدياب حقنا للدماء. وكعادة أبي زيد لما رجع، عرف ما فعله دياب بقومه.. فذهب إليه متخفيا في زيّ شاعر فلما أعجب دياب من كلامه قال له: لقد أعجبتنا يا شعر فزدنا من شعرك، فقال أبو زيد شعرا مغزاه أن هذه المملكة كانت لفارس قبله يدعى سلامة.

هنا غضب دياب لمّا مدح أبا زيد، وقال له هل جئت لتمدحنا بالشعر أم تسبنا فلكل عصر دولة ورجال.

والروايات كثيرة ومتعددة وأحيانا متداخلة كل ما قصدناه أن لكل عصر دولة ورجل أول من قالها كان هذا الذياب أو الدياب الزغبي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق