مقالات وآراء

مَوَّال.. أهل البلد غَنُّوه

لسنوات طويلة ظل زميلنا الكاتب الصحفى الكبير سعيد الشحات يتحدث مع القريبين منه عن إحساسه الدائم بالذنب لأنه لم يخطف نفسه من انشغالاته المتلاحقة، ويتفرغ قليلاً للانتهاء من كتابة مذكرات المطرب الراحل محمد رشدى. وخلال هذه السنوات كنتُ أظن أن حديث «سعيد» المتكرر عن مشروعه المؤجل يتشابه تماماً مع أحاديث كثير من الصحفيين الموهوبين عن مشروعات كتب وروايات، حالت ظروف العمل الضاغطة دون كتابتها. الأكثر من ذلك أننى تصورتُ أن سعيد الشحات تحديداً لن يتاح له أبداً أن ينجز أياً من مشروعات كتبه المؤجلة، وخصوصاً أنه منذ بداية يناير 2014 بدأ يدهشنا بكتابة زاوية يومية تحت عنوان «ذات يوم»، يبذل فيها جهداً فائقاً من البحث والتنقيب فى المراجع التاريخية والصحف والمجلات القديمة لتوثيق كل المعلومات التى تخص الحدث اليومى الذى يتناوله.ولكن ما ظننته سبب استحالة توافر الوقت للانتهاء من كتابه عن محمد رشدى، كان تحديداً هو السبب الذى هداه إلى طريقة التناول التى أنتجت كتابه «مذكرات محمد رشدى – مَوَّال.. أهل البلد غَنُّوه»، وها هو سعيد الشحات يقول فى مقدمة الكتاب: «إن مهمة البحث الدؤوب من أجل «ذات يوم» أفادتنى فى الاهتداء إلى القالب الذى رأيته مناسباً، فحين عدتُ إلى أوراق «الدشت الصفراء» التى أحتفظ فيها بتفريغ شرائط الكاسيت، وقصاصات الأوراق الأخرى التى دوَّنتُ فيها لقاءاتى الإنسانية مع محمد رشدى، وجدتُ أن تحقيق هذه المذكرات هو القالب الذى يجعل منها وثيقة تاريخية. وتطلَّب هذا جهداً بحثياً كبيراً منى فى العودة إلى كتب وجرائد ومجلات قديمة، أبحث فيها عن تفاصيل معلومة عابرة ذكرها، وأبحث عن تجارب غنائية خاضها رشدى ولم يتوقف عندها فى حديثه معى بالقدر الكافى».. ثم يقول: «ولأن الفترة الزمنية التى عاشها محمد رشدى تبدأ منذ مولده عام 1928 وتنتهى برحيله عام 2005، فإننا أمام عصر شهد شخصيات طواها النسيان رغم أهميتها التاريخية، وحكايات أصبحت خافتة فى الذاكرة العامة، ولهذا، وتنويراً للقارئ، قدمتُ إضاءات تاريخية عن هؤلاء الأشخاص وتلك الحكايات مستنداً إلى مراجع معينة لكل حدث».ولكن طريقة التناول الملهمة التى اهتدى إليها «سعيد» فى إنجاز كتابه عن محمد رشدى، أخذته إلى أبعد فى التاريخ من العام 1928 الذى وُلد فيه الفنان الراحل.. وها هو – مثلاً – يسجل ما قاله رشدى عن مكانة أمه فى حياته: «حياتها معى شريط دائم لم يفارقنى، أتذكرها وهى تنتظرنى حين أكون ساهراً خارج البيت.. بعد أن مرضتْ بالسكر كنتُ أبحث عن أى علاج يدلنى عليه أحد… أنا حزين أنها لم تعش لأقدم لها من الخير الذى أنا فيه.. كنتُ فى زيارة لدسوق وكانت صحتها ليست على ما يرام.. خرجتُ من البيت ساعات قليلة ولما عُدتُ قالت لى: أنا تعبانة.. خد بالك من اخواتك.. وماتت».. ثم يتذكر رشدى: «أمى لم تكن تعرف معنى الفنان الذى أريده، تصورت أن الغناء هو إحياء الأفراح والموالد».. ويضيف: «كانت تتمنى لى حاجة تانية، عايزة تشوفنى أفندى، رجل تعتمد عليه… الدنيا عندها هى دسوق والناس اللى فيها، والأفندية الموظفين هما دليل الأبهة والاستقرار».. ثم يتوقف محمد رشدى ليتحدث عن ازدواجية المجتمع فى التعامل مع الفن: «الناس تحب الفن، لكن لا تحب أن يعمل أبناؤهم فيه.. أنا بحثت فى الحكاية دى، وجدتُ فنانين كباراً واجهتهم مشكلة رفض الأهل، رغم أنها موهبة من عند الله، حصلت من أيام عبده الحامولى وأم كلثوم وزكريا أحمد ومحمد عبدالوهاب وغيرهم».وانطلاقاً من قضية الازدواجية فى التعامل مع الفن، يبدأ سعيد الشحات بحثه الدؤوب والممتع عن دور هذه الازدواجية فى حياة الفنانين الكبار أو رواد الغناء والموسيقى، فيعود إلى كتاب قسطندى رزق «الموسيقى الشرقية وتاريخ الغناء العربى» ليسجل ما حدث مع عبده الحامولى الذى كان الخديو إسماعيل يقدّره أعظم التقدير، ورغم ذلك اضطر إلى الهرب من بيته لأن والده «لم يكن راضياً عن اشتغاله بالغناء الذى كان وقتئذ يُعد مهنة مُحتقرة ومُسقطة لمحترفها من عيون الناس»، ثم يعود سعيد الشحات إلى مذكرات أم كلثوم المنشورة فى جريدة الجمهورية عام 1970، وإلى كتاب الدكتور محمود أحمد الحفنى عن «سيد درويش»، وإلى كتاب لطفى رضوان عن «عبدالوهاب»، وإلى كتاب صبرى أبوالمجد عن «زكريا أحمد»، ليرصد آثار هذه الازدواجية فى التعامل مع الفن على هؤلاء الرواد الكبار فى تاريخنا الموسيقى والغنائى.وتتجلى براعة سعيد الشحات فى ولعه الشديد بالتوثيق وفى إيمانه بأن كل إنسان، سواء كان مشهوراً أو مغموراً، فناناً أو سياسياً، هو نتاج الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التى سبقت مولده وتزامنت مع نشأته، وها هو يعود إلى المراجع التاريخية ليرصد حالة مصر قبل ساعات من اليوم الذى وُلد فيه محمد رشدى (20 يوليو 1928)، فيعثر على ضالته لدى مؤرخ مصر الكبير عبدالرحمن الرافعى، فى كتابه «فى أعقاب الثورة المصرية، ثورة 1919»، ويكتشف «أن الملك فؤاد أصدر يوم 19 يوليو 1928 قراره بحل مجلسى النواب والشيوخ، ووقف تطبيق عدة مواد من الدستور، منها المادة التى تمنع إنذار الصحف أو وقفها… وتعطيل مادة حرية الصحافة». ولأن محمد رشدى – بالطبع – لا يتذكر شيئاً عن مولده، فقد اهتم سعيد الشحات بأن يرصد الآثار الاجتماعية الخطيرة التى ترتبت على تعطيل الدستور وحل المجالس المنتخبة وتقييد حرية الصحافة، وها هو محمد رشدى يقول له: «كنا نعانى من الفقر كباقى المصريين.. كان اللى معاهم الثروة فى دسوق أعداد قليلة تعدهم على أصابع اليد الواحدة». إنه الفقر الذى دفع محمد رشدى إلى العمل وعمره تسع سنوات فقط فى محلج قطن، ثم انتقل منه للعمل فى مركب تنقل الأرز والقصب من رشيد إلى دسوق ثم تعود ببضائع من دسوق إلى رشيد، وبمجرد وقوف المركب على شاطئ النيل فى رشيد كان يجرى على الصيادين: «أركب النيل معاهم.. أرحل معاهم.. أسمع منهم أغانى عن الغربة والقدر والنصيب».

إن هذه الطريقة البديعة فى التوثيق، والعودة إلى عشرات المراجع وأرشيف الصحف والمجلات، تظل مع سعيد الشحات طيلة كتابه الصادر مؤخراً عن دار «ريشة للنشر والتوزيع»، ليكتشف القارئ أنه لم يستمتع فقط بقراءة سيرة حياة مطرب كبيرة، ولكنه عاش – عبر أكثر من 330 صفحة – فى قلب ملحمة تاريخية تغطى القرن العشرين كله.. وخمس سنوات من القرن الحادى والعشرين، وخلال هذا الزمن الممتد شهدت مصر تحولات فنية وثقافية وسياسية واقتصادية واجتماعية مذهلة، وكان الغناء – تأليفاً وتلحيناً وأداءً – حاضراً على كل الجبهات، ومشاركاً فى كل التحولات والمعارك.. كان حاضراً فى ثورة 1919، وفى حرب 1948، وثورة 1952، وهزيمة 1967، وحرب الاستنزاف وانتصار أكتوبر.. وكان حاضراً فى تأميم قناة السويس ومعركة بناء السد العالى والوحدة بين مصر وسوريا، وقوانين يوليو الاشتراكية.. وقريباً من منتصف القرن العشرين نشر الغناء المصرى جناحه على امتداد الوطن العربى كله، وسافر محمد رشدى – مع غيره من المطربين والشعراء والملحنين – ليغنى للثوار فى الجزائر واليمن.. ولاستقلال الدول العربية تباعاً عن الاستعمار، وهو إذ يتذكر إسهامه بالغناء للقضايا العربية، يتوقف سعيد الشحات كثيراً، ليوثق الأحداث مستنداً على عدة مراجع، ليضع القارئ فى قلب التاريخ بشخوصه وأبطاله وفنانيه وتحولاته من الزمن الذى شهد ميلاد الغناء المصرى فى عصر الخديو إسماعيل، وحتى اليوم الذى رحل فيه محمد رشدى عام 2005، بعد أن دهمته انكسارات الأحلام العربية، وآلمته اتفاقية كامب ديفيد التى حولت العدو الإسرائيلى إلى صديق، ودمره الغزو العراقى للكويت فى أغسطس عام 1990، وعاش مرارة حرب الخليج ثم حصار العراق واحتلاله وتخريبه عام 2003.

ورغم ذلك كله، فإن كتاب سعيد الشحات عن محمد رشدى، ليس كتاباً فى التاريخ أو السياسة، ولكنه بالأساس كتاب عن موهبة مصرية خالصة، وصفها عمار الشريعى بقوله: «لو النيل فكر يغنى، هيغنى بصوت محمد رشدى.. ولو تراب مصر فكر يغنى هيغنى بصوت محمد رشدى».. ولهذا تجلت براعة سعيد الشحات وقدرته على البحث والتنقيب والتوثيق، فى أن يأتى كتابه موّالاً شجياً عن المناخ العام الذى أنجب محمد رشدى، وأنجب معه وفى عصره عدداً هائلاً من المبدعين الكبار فى كل مجالات الغناء: من الشعر إلى الموسيقى إلى الأداء الصوتى.

ولعل أهم ما فى كتاب «مذكرات محمد رشدى» يتمثل فى الدور المذهل الذى لعبه شخص واحد هو «محمد حسن الشجاعى» المشرف العام على الموسيقى والغناء فى الإذاعة المصرية فى الفترة من 1951 وحتى وفاته عام 1963، إذ لولا هذا الرجل المثقف الدارس والإدارى الفذ، لكانت مصائر مواهب ضخمة مثل بليغ حمدى وعبدالحليم حافظ ومحمد رشدى، أقرب إلى مصائر آلاف الموهوبين الذين طحنتهم شخصيات مريضة احتلت مواقع مهمة دون استحقاق، وكانت سبباً فى إفساد الغناء والموسيقى وتلويث فضائنا السمعى بأنكر وأقبح الأصوات. ولهذا يستحق محمد حسن الشجاعى أن نستعيد دوره الغائب عن حياتنا الإبداعية فى مقال كامل.

 

الوسوم

التعليقات مغلقة.

إغلاق
إغلاق